١
أَبرَمتُ عَهداً جَديداً طَيِّبَ الأَثَرِبَينَ القَوافي وَبَينَ الكَأسِ وَالوَتَرِ
٢
أَهَبتُ بِالشِعرِ فَاِنقادَت شَوارِدُهُفي مَحفَلٍ بِعَذارى الوَحيِ مُزدَهِرِ
٣
أَصوغُهُ مِن شُعوري غَيرَ مُدَّخرٍمِن سانِحاتِ القَوافي أَيَّ مُدَّخرِ
٤
حَرَّرتُ رِبقَتَهُ مِن كُلِّ شائِبَةٍفَما فتِنتُ بِمَعنى غَيرِ مُبتَكَرِ
٥
وَلا دَعَوتُ إِلى التَجديدِ مُعتَصِماًمِنهُ بِكُلِّ بغيضِ السَبكِ وَالصُوَرِ
٦
وَلا هَذَيتُ بِأَبياتٍ أُرَدِّدُهامِن كُلِّ مُضطَرِبٍ صَعبِ القِيادِ زَري
٧
وَلا اِعتَدَيتُ عَلى الأَنغامِ أَشنُقُهاوَلا صَلبتُ الدُجى في دَوحَةِ القَدَرِ
٨
وَلا شَرِبتُ شُعاعَ الشَمسِ في قَدَحٍمِنَ اللَهيبِ وَنَحوَ الشَمسِ لَم أَطِرِ
٩
وَلا رَكَعتُ بِمِحرابِ الغَرامِ عَلىعِطرٍ مِنَ الوَلَهِ النُسكِيِّ مُستَعِرِ
١٠
إِن يَحرِ بِالأَدَبِ الغَربِيِّ طابعُهُفَالشَرقُ بِالطابَعِ الغَربِيِّ غَيرُ حَري
١١
شَوارِدُ الضادِ شَتّى لا عِدادَ لَهالَيسَت فَرائِدُها مِلكاً لِمُحتَكِرِ
١٢
فَاِختَر لِشِعرِكَ مِنها ما يُناسِبُهُوَاِحرِص عَلى جَودَةِ التَركيبِ أَو فَذَرِ
١٣
دَعِ القَلائِصَ وَالأَحداجَ مُكتَفِياًبِما يُلائِمُ روحَ العَصرِ وَاِقتَصِرِ
١٤
فَالشِعرُ إِن لَم يُسايِر روحَ نَهضَتِهِكَالغُصنِ جُرِّدَ مِن نَورٍ وَمِن ثَمَرِ
١٥
إِن يَصبُ غَيري فَإِنّي ما صَبَوتُ إِلىعَهدِ النَجائِبِ وَالوَخّادَةِ النُزُرِ
١٦
وَلا تَقَدَّمتُ عَصري في تَقَدُّمِهِوَلا تَأَخَّرت عَن عَصري فَلَم أَسِرِ
١٧
وَلَم أَقُل إِن جَفَتني مَن أَهيمُ بِهايا قَلبُ ذُب أَلَماً يا أَدمُعُ اِنهَمِري
١٨
باتَ المُعَنّى طَريدَ الهَمِّ مُكتَئِباًوَبِتُّ في الحانِ خِلوَ البالِ وَالفِكرِ
١٩
وَهى فَلَم يَستَطِع صَبراً وَلا جَلَداًوَما وَهى جَلَدي أَو عيلَ مُصطَبَري
٢٠
وَلا وَقَفتُ عَلى الأَطلالِ أَندُبُهاوَلا بَكَيتُ عَلى عافٍ مِنَ الأَثَرِ
٢١
وَلا مَرَرتُ عَلى بَيداءَ موحِشَةٍوَلَم أَعُج بِخِيامِ الحَيِّ مِن مُضَرِ
٢٢
وَلا أَثارَ شُعوري رَسمُ دارِسَةٍما لي وَلِلبيدِ وَالأَطلالِ وَالحُفَرِ
٢٣
وَلِلكُؤوسِ الَّتي ما في قَرارَتِهاإِلّا شُعاعُ الضُحى أَو مَدمَعُ الزَهَرِ
٢٤
ما لي وَلِلقَدَحِ الرَمزِيِّ لا وَقَعَتعَيني عَلَيهِ وَلَم يَعلَق بِهِ بَصَري
٢٥
أَترع لِيَ الكَأسَ صِرفاً وَاِسقِني عَلَلاًعَلى شَفا جَدوَلٍ بِالزَهرِ مُؤتَزِرِ
٢٦
في رَوضَةٍ طَرّزَ الرَيحانُ بُردَتَهاوَأَرَّجَتها عُيونُ النَرجِسِ العطرِ
٢٧
وَهاتِها عَلَناً صَهباءَ صافِيَةًطالَ الإِسارُ بِها في سِجنِها الأَسَري
٢٨
زُجاجَةٌ لَو دَرى الخَمّارُ قيمَتَهاأَمسى عَلَيها شَديدَ الحِرصِ وَالحَذَرِ
٢٩
قدَيمَةُ العَهدِ ما فُضَّت بَكارَتُهاطافَ الحَبابُ بِها كَالأَنجُمِ الزُهُرِ
٣٠
تَدعو الشِفاهَ إِلى تَقبيلِ مَبسِمِهابِسائِغٍ مِن دَمِ العُنقودِ مُعتَصرِ
٣١
كَم دارَ في خَلَدي ما زادَني شَغَفاًبِها وَفي خَلَدِ الخَمّارِ لَم يَدُرِ
٣٢
تَخالُها في وِعاءِ الثَلجِ نائِمَةًوَسنى عَلى مَضجَعٍ مِن مائِهِ وَثِرِ
٣٣
حَتّى إِذا نَضَحَت من بردِهِ عَرقاًحَسِبتها لَبِسَت وَشياً مِنَ الدُرَرِ
٣٤
لَها عَلى السَكبِ في الأَقداحِ قَهقَهَةٌكَأَنَّها ضَحِكاتُ الهازِئِ الهَذِرِ
٣٥
أَتُشعِلُ الجِسمَ ناراً وَهيَ بارِدَةٌفَيا لمَقرورَةٍ أَورى مِنَ الشَرَرِ
٣٦
مَن لي بِعُذرٍ فَأَنساها وَقَد عَذُبَتطَعماً فَما تَرَكَت عُذراً لِمُعتَذِرِ
٣٧
تُديرُها غادَةٌ هَيفاءُ فاتِنَةٌتُغنيكَ طَلعَتُها عَن مَطلَعِ القَمَرِ
٣٨
ما أَنسَ لا أَنسَ يَوماً زُرتُ حانَتَهافي جُنحِ لَيلٍ عَليلِ النَجمِ مُعتَكرِ
٣٩
يَقودُني نورُها وَالشَوقُ يَدفَعُنيدَفعاً لِأَقضِيَ مِن لَذّاتِها وَطَري
٤٠
دَخَلتُ فَاِستَقبَلَتني مِن مَفاتِنِهابِفائِحٍ مِن عَبيرِ الخَمرِ مُنتَشِرِ
٤١
وَرائِحٍ مِن دُخانِ التبغِ تَحسَبُهُسُحباً مِنَ الغَيمِ قَد أَشفَت عَلى المَطَرِ
٤٢
وَالقَومُ ما بَينَ مَذهولٍ وَمُنسَجِموَماجِنٍ قَد سَلا الدُنيا وَمُفتَكِرِ
٤٣
دَقّوا الكُؤوسَ وَراحوا يَضحَكونَ لَهاما بَينَ مُختَبِلٍ يَهذي وَمُفتَخِرِ
٤٤
تَناثَروا شِيَعاً في العَيشِ وَاِجتَمَعواحَولَ الزُجاجَةِ عِقداً غَيرَ مُنتَثِرِ
٤٥
جَلَستُ مُنزَوِياً في رُكنِ حانَتِهاوَبادَرَتني بِلَحظِ الفاحِصِ النَكِرِ
٤٦
وَبادَلَتني سَلاماً لَيسَ يَفهَمُهُإِلّا اللَبيبُ وَإِلّا كُلُّ مُختَبِرِ
٤٧
وَجالَسَتني وَهَشَّت غَيرَ حافِلَةٍبِغَيرِ حَملي عَلى الإِشرافِ في السَهَرِ
٤٨
وَاِستَدرَجَتني إِلى ما لَستُ أَذكُرُهُوَاِفتَرَّ ضاحِكُها عَن لُؤلُؤٍ نَضِرِ
٤٩
لها حَديثٌ يُثيرُ الوَجدَ ماجِنُهُتُغريكَ رِقَّتُهُ بِالشُربِ وَالسَمَرِ
٥٠
وَمَبسِمٌ حَيثُما مالَت بِهِ تَرَكَتمِن صبغِهِ أَثَراً يُغني عَنِ الخَبَرِ
٥١
كَأَنَّهُ بِدَمِ العُشّاقِ مُختَضِبٌعَذبُ المُقَبَّلِ أَمّا رَشفُهُ فَمَري
٥٢
غَنيتُ عَن كُلِّ نُقلٍ بِاِبتِسامَتِهِوَما تَضَوَّعَ مِن فَوّاحِهِ العَطِرِ
٥٣
وَأَعيُنُ القَومِ لا تَنفَكُّ تَرشُقُنابِأَسهُمٍ لَم تَطِش مِن لحظِها الشَزِرِ
٥٤
حَسناءُ ما حاطَبَت عَينَيكَ مُقلَتُهاإِلّا أُخِذتَ بِما تَحويهِ مِن حَوَرِ
٥٥
إِن تَنضَبِ الكَأس لَم تَنضَب مَراشِفُهاأَو غارَتِ الشَمسُ لَم تَأفُل وَلَم تَغُرِ
٥٦
تَرنو إِلَيكَ بِعَينِ الريمِ باسِمَةًوَتَستَبيكَ بِلَحظٍ مِنهُ كُلَّ مُستَتِرِ
٥٧
تُدِلُّ في خَفَرٍ وَهيَ الَّتي جَمَعَتكُلَّ المَفاتِنِ غَيرَ الدَلِّ وَالخَفَرِ
٥٨
تُلامِسُ العودَ كَفّاها فَتُنطِقُهُكَأَنَّما العودُ لَم يُقطَع مِنَ الشَجَرِ
٥٩
وَيُرسِلُ الآهَ مِن أَوتارِهِ نَغَماًفَكَيفَ لَو عَبثَت بِالشارِبِ السَكِرِ
٦٠
تَكادُ أَلحانُها تُبكي وَلَو رَغِبَتلَأَضحَكَتكَ بِأَلحانٍ لَها أُخَرِ
٦١
وَلِلصَبا رِقَّةٌ هَيهاتَ يَعرِفُهاإِلّا حَليفُ الصَبا مِن تِلكُمُ الزُمَرِ
٦٢
وَلِلبَياتِ رَنينٌ كادَ ساحِرُهُيُذيبُ حَتّى صَميمَ الصُلبِ وَالحَجَرِ
٦٣
كَأَنَّهُ تُرجمانُ المُعجَبينَ بِهايَروي لَها عَن هَواهُم أَعذَبَ السِيَرِ
٦٤
ما أَروَعَ العودَ لَو هاجَت بَلابِلُهُفي حِجرِ غانِيَةٍ وَضّاحَةِ الغُرَرِ
٦٥
فَاِستَلهِم الكَأسَ أَو فَاِستَوحِ مُقلَتَهاتَجِد مِنَ الشِعرِ ليناً غَيرَ مُنتَظَرِ
٦٦
ما زِلتُ في حَيرَةٍ مِنها وَفي عَجَبٍحَتّى اِنتَشَيتُ فَلَم أَعجَب وَلَم أَحَرِ
٦٧
وَرُحتُ في شِبهِ إِغماءٍ كَأَنَّ يَداًشَدَّت عَلى عُنُقي في عُنفِ مُهتَصِرِ
٦٨
ما بالُ غَربِ لِساني لا يُطاوِعُنيوَكُنتُ أَحسَبُهُ كَالصارِمِ الذَكَرِ
٦٩
مُكَبَّلٌ يَتَلَوّى في فَمي حَصِراًماذا رَماهُ بِهذا العِيِّ وَالحَصَرِ
٧٠
هَل مادَتِ الأَرضُ فَاِهتَزَّت بِآهِلِهالا إِنَّها لَم تَدُر بَل خانَني نَظَري
٧١
وَقُمتُ أَخطو كَما يَخطو الكَسيحُ وَقَدخارَت قُوايَ وَلَولا السُكرُ لَم تَخُرِ
٧٢
أَجُرُّ نَفسي وَئيدَ السَعيِ مُرتَنِحاًتَخالُني حافِياً يَمشي على إِبَرِ
٧٣
وَعِفتُ كَأَسي فَقالَت لي وَما صَدَقَتإِشرَب وَلا تَخشَ لَومَ العاذِلِ الأَشِرِ
٧٤
وَقُل هِيَ الخَمرُ كَم طابَت لِشارِبِهاوَاِصرَع بِها دَولَةَ الأَحزانِ وَالكَدَرِ
٧٥
لَو أَنَّها ضَرَرٌ ما قالَ خالِقُهافيها مَنافِعُ لا تَخفى عَلى البَشَرِ
٧٦
وَلَم يُمَنِّ التُقاةَ المُؤمِنينَ بِهاوَلا جَرَت مِن جِنانِ الخُلدِ في نَهَرِ
٧٧
وَلا أُتيحَ لِنُوحٍ عَصرُها قِدَماًوَلا تَذَوَّقَها مِن سالِفِ العُصُرِ
٧٨
وَلَم تُعَتَّق بِدَيرٍ وَهيَ مُسكِرَةٌوَلا تَجَرَّعَها الرُهبانُ في السَحَرِ
٧٩
وَلا أَباحَ لَنا عيسى تَناوُلَهاوَقالَ هَذا دَمي ما فيهِ مِن ضَرَرِ
٨٠
أَغضَبتَ باكوسَ فَاِحذَر شَرَّ نِقمَتِهِأَو فَاِملأِ الكَأسَ تَأَمَنهُ وَلا تَثُرِ
٨١
فَقُلتُ حَسبُكِ هَذا الكُفرُ فَاِتَّئِديفَإِنَّما الخَمرُ إِثمٌ غَيرُ مُغتَفَرِ
٨٢
ما سَرَّ مَشربُها حَتّى اِستَحالَ أَسىًكَفى بِهِ خَطَراً ما فيهِ مِن خَطَرِ
٨٣
كَم مِن غِنيٍّ صَحيحِ الجِسمِ عاقَرَهافَغادَرَتهُ عَلَيلاً جَدَّ مُفتَقِرِ
٨٤
وَكَم فَتىً أَيِّدٍ كَاللَيثِ مُقتَدِرٍعافَتهُ وَهوَ هَزيلٌ غَيرُ مُقتَدِرِ
٨٥
كَم زَوجَةٍ سَلَبَتها زَوجَها فَغَدَتعَلى الطوى وَالأَسى وَالسُقم وَالضَجَرِ
٨٦
كَم طَوَّحَت بِفَتىً مِثلي وَكَم طَرَحَتكُؤوسها في حَنايا السِجنِ مِن نَفَرِ
٨٧
أَثيمَةُ الوَحيِ كَم مِن عادِلٍ لَعِبَتبِهِ فَجارَ وَلَولا السُكرُ لَم يَجُرِ
٨٨
زُجاجَةٌ لَو دَرى الخَمّارُ ما حَمَلَتمِنَ القَذى وَالأَذى لَم يَنجُ مِن سَقَرِ
٨٩
هَل في الزُجاجَةِ غَيرُ السُمِّ تَحسَبُهُماءً تَحَلَّبَ مِن مُستَنقَعٍ قَذِرِ
٩٠
لَها لَدى السَكبِ في الأَقداحِ حَشرَجَةٌكَأَنَّها زَفرَةٌ مِن صَدرِ مُنتَحِرِ
٩١
قَديمَةُ العَهدِ ما فُضَّت بَكارَتُهاكَعانِسٍ كَسَدَت مِن شِدَّةِ الكِبَرِ
٩٢
تَخالُها حَيَّةً في الثَلجِ كامِنَةًفي مَسبَحٍ عَكِرٍ مِن مائِهِ العَكِرِ
٩٣
ما كُنتُ أَعلَمُ أَنَّ السُمَّ خامَرَهاحَتّى سَقَطتُ صَريعاً شِبهَ مُحتَضِرِ
٩٤
لا بارَكَ اللَهُ بَعدَ اليَومِ في قَدَحٍوَلا لَعاً لِهُواةِ الغيِّ وَالدَعَرِ
٩٥
وَلا مَلامَ عَلى ما جِئتِ مِن نُكُرٍأَغراكِ بِالكَسبِ ما أَغراكِ بِالنُكُرِ
٩٦
تَاللَهِ لَولا فَسادُ الناسِ قاطِبَةًلَما اِندَفَعتِ بِهَذا المَسلَكِ الوَعِرِ
٩٧
وَعُدتُ عَنها وَنَفسي جِدُّ دامِيَةٍمِمّا رَأَيتُ وَقَلبي جِدُّ مُعتَبِرِ
٩٨
كَفى بِها عِظَةً ما بَعدَها عِظَةٌوَحَسبُها أَنَّها مِن أَبلَغِ العِبَرِ
٩٩
لَقَد تَيَقَّنتُ أَنَّ الخَمرَ مَهلَكَةٌوَرُحتُ أَبكي عَلى ما فاتَ مِن عُمُري
١٠٠
وَقُلتُ حينَ طَرَحتُ الكَأسَ ناحِيَةًأَبرَمتُ عَهداً جَديداً طَيِّبَ الأَثَرِ
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.