الشعر الفصيح والنبطي
وكلمات الأغاني

صخرةٌ لا تَجلُّ في الكائناتِ

علي محمود طهالعصر الحديث · توفي ١٬٩٤٩م · ١٨٧ قصيدة
٤ قراءة
١
صخرةٌ لا تَجلُّ في الكائناتِغَشِيَتها جلالةُ الآبداتِ
٢
جاورتها الصحراء تستشرف اليمَّ وقرَّ المحيطُ جنب الفلاةِ
٣
أبديَّانِ قد أفاءا إليهالم تُجمِّعهما يدُ الحادثاتِ
٤
وجدا الملتقى عليها فقرَّابعد آباد فرقةٍ وشتاتِ
٥
ليلةً غوَّرتْ بها الأنجمُ الززهرُ وأضفت سوادفَ الظلماتِ
٦
لو تلفتَّ في دجاها لراعتكَ خوالي الأبراجِ والهالاتِ
٧
وكأنّ الزمانَ خالجه الروعُ ولجَّ الوجودُ في الشُبهاتِ
٨
وكأنَّ الوجودَ لم يحوِ إلَّاذلكَ الصخرَ رائعَ الجنباتِ
٩
عقدةُ الاتصال بين جلالين أجدَّا به وثيقَ الصلاتِ
١٠
برزخ تعبرُ الليالي عليهبين عبرينِ من بِلىً وحياةِ
١١
ركزتها الآبادُ بينهما رمزاًعلى صولةِ الدهورِ العواتي
١٢
فأقامت تُسرُّ للقفر واليمِّأحاديثَ أعصرٍ خالياتِ
١٣
واحتوت سرَّ كائنين كأنْ لميُبْعَثا سيرةً مع الكائناتِ
١٤
كشفت لي الصحراءُ من دوِّها الواسع ما لاتحدُّهُ نظراتي
١٥
وبساطاً من الرمال تراءىككتابٍ مموَّهِ الصفحاتِ
١٦
هو مهد السحرِ الخفيِّ ومثوىما تُجِنُّ الصحراءُ من معجزاتِ
١٧
ربَّ ليل مكوكبٍ خطرتْ فيهِ الدراري وضيئة القسماتِ
١٨
ورمى البدرُ بالأشعةِ تبدوفوق وجه الرمالِ منعكساتِ
١٩
وسَرَتْ نسمةٌ من الليل حيرىوغناءُ الصوادحِ الطائراتِ
٢٠
فإذا الليلُ روعةٌ وجلالٌوإذا القفر غارقٌ في سُباتِ
٢١
غيرَ ذاك الغريبِ في تيههِ النَّائي كئيبِ الفؤادِ والنظراتِ
٢٢
أرَّقتهُ صبابةٌ حملتهانفسهُ من ربوعهِ النائياتِ
٢٣
قد شجاهُ هوى اقتحامِ الصحارىوالصحارى مثارةُ الصَّبواتِ
٢٤
ربَّ ناءٍ مدَّت إليهِ هواهافهوى في شراكها القاتلاتِ
٢٥
يقطع الدوَّ بارداتِ اللياليويجوبُ الحزونَ ملتهباتِ
٢٦
قتلته سمومُها وبراهُظمأٌ من عيونها المجدباتِ
٢٧
حَرَمَتْهُ الصحراءُ ظلاً وريفاًفي حواشي واحاتها النضراتِ
٢٨
فسَلِ القفرَ هل له فيهِ قبرٌضَمَّ من جسمهِ نحيلَ رُفاتِ
٢٩
أترى غير أعظُمٍ نخراتٍفي ثنايا الرمال منتشراتِ
٣٠
صحراءُ الحياة كم هِمتُ فيهاشاردَ الفكر تائهَ الخطواتِ
٣١
سرتُ فيها وحدي وقد حطمَالمقدارُ في جنح ليلها مشكاتي
٣٢
ولكم أرمدَ الهجيرُ جفونيورمتني الحرورُ باللفحاتِ
٣٣
لم أجدْ لي في واحة العيش ظِلاًأو غديراً يَبُلُّ حَرَّ لهاتي
٣٤
أسفاً للحياةِ أصلى لظاهاوأراها وريفةَ العذَباتِ
٣٥
بَعُدَتْ عنِّي الحقيقةُ فيهاوأضلَّت مسعايَ للغاياتِ
٣٦
كلما هاجتِ الرياحُ صراخيهدَّجت في هزيمها صرخاتي
٣٧
غيرُ ذاك الصخر العتيد الذيضجَّ عليه العبابُ من أنّاتي
٣٨
ظللتني ذراهُ منفردَ النفسِأبثُّ المحيطَ حرَّ شكاتي
٣٩
أنا فوق المحيطِ كالطائر التائهِ يعلو موائجَ اللجَّاتِ
٤٠
ناشراً فوق عُرضِهِ من جناحيَّ ظِلالَ الهمومِ والحسراتِ
٤١
مُمعِناً في سمائهِ أتغنَّىبنشيدِ الخلودِ في صَدَحاتي
٤٢
للإلهِ العظيم من لُجِّه الساكنِ أتلو الجميلَ من صلواتي
٤٣
وأناجيه طائراً رَفَّ في الليليُغنِّي خَمائلَ الجنَّاتِ
٤٤
صخرةَ الملتقى أتيتكِ بعد الأيْنِ أشكو من الحياة أذاتي
٤٥
أنا ذاك الشادي الذي نسلتْريشَ جناحيه هبَّهُ العاصفاتِ
٤٦
أنا ذاك الشريد في صحراء العيش ضلَّ السبيلَ في الفلواتِ
٤٧
في ثراها الغبيِّ وسَّدتُ أحلامي وماضي الهنيِّ من أوقاتي
٤٨
أنا قيثارةٌ جَفَتْها اللياليفي زوايا النسيانِ والغفلاتِ
٤٩
وأرثت أوتارَها فهي تبكيمن شجاها حبيسةَ النغماتِ
٥٠
أنا طيفُ الماضي على صخرة الآبادِ أستشرفُ الزمان الآتي
٥١
وورائي الصحراء وادي المناياوأمامي المحيط لُجُّ الحياةِ
٥٢
بين عبريهما ثوتْ غُرُّ أيامي وحال الوضيءُ من ليلاتي
٥٣
لا أسمِّيك صخرةَ الملتقى لكنأُسميكِ صخرةَ المأساةِ

المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.

عن علي محمود طه

عُرف بـ«المهندس» لأنه تخرّج في مدرسة الهندسة التطبيقية وعمل في الوظائف الحكومية حتى صار وكيلًا لدار الكتب المصرية. ارتبط اسمه بالمنصورة التي وُلد فيها ودُفن فيها بعد وفاته بالقاهرة. كتب كلمات أغانٍ لُحّنت وشدت، من أشهرها «الجندول» التي كانت سببًا في شهرته، وله دواوين شعرية منها «الملاح التائه» و«أرواح شاردة» و«زهر وخمر».

قصائد أخرى لـعلي محمود طه الكل

على البحر والقافية نفسيهما

أبلغ عن خطأ في القصيدة