الشعر الفصيح والنبطي
وكلمات الأغاني

لا تفزعي يا أرضُ لا تفرَقي

علي محمود طهالعصر الحديث · توفي ١٬٩٤٩م · ١٨٧ قصيدة
٦ قراءة
١
لا تفزعي يا أرضُ لا تفرَقيمن شَبَحٍ تحت الدُّجى عابرِ
٢
ما هو إلَّا آدميٌّ شقيسمَّوْهُ بين الناسِ بالشاعرِ
٣
حنانَكِ الآن فلا تُنكريسبيلَهُ في ليلكِ العابسِ
٤
ولا تُضلّيهِ ولا تنْفريمن ذلك المستصرخ البائسِ
٥
مُدِّي لعينيهِ الرّحابَ الفِساحْورقرقي الأضواءَ في جفنهِ
٦
وامسكي يا أرضُ عصْفَ الرياحْوالرّاعدَ المنصبَّ في أذنِه
٧
أتسمعينَ الآن في صوتهِتَهَدُّجَ الأنَّاتِ من قلبهِ
٨
وتقرأينَ الآنَ في صمتِهِتَمرُّدَ الرُّوحِ على ربهِ
٩
في وقفةِ الذّاهلِ ألقى عصاهْمُولّيَ الجبهةِ شطرَ الفضاءْ
١٠
كأنما يَرْقى الدجى ناظراهْليستَشِفّا ما وراءَ السماءْ
١١
يَسقُطُ ضوءُ البرقِ في لمحهِعلى جبينٍ باردٍ شاحِبِ
١٢
ويستثيرُ البردُ في لفحهِناراً تَلظَّى من فمٍ ناضبِ
١٣
أنتِ له يا أرضُ أمٌ رؤومْفأشهدي الكون على شِقوَتهْ
١٤
وردِّدي شكواهُ بين النجومْفهوَ ابنُكِ الإنسانُ في حيرتهْ
١٥
ما هو إلا صوتُكِ المرسلُوروحُكِ المستعبَدُ المرهَقُ
١٦
قد آدَهُ الدهرُ بما يحملُفجاءَ عن آلامِهِ ينطقُ
١٧
طغَى الأسى الدّاوي على صوتهِيا للصَدَى من قلبهِ النَّاطقِ
١٨
مضى يبثُّ الدهرَ في خفْتهِشكايةَ الخلقِ إلى الخالقِ
١٩
لا تَعْدُني يا ربِّ في محنتيما أنا إلَّا آدميٌّ شقي
٢٠
طَرَدْتَني بالأمس من جنتيفاغفرْ لهذا الغاصبِ المحنَقِ
٢١
حنانكَ اللهمَّ لا تغضبِأنتَ الجميلُ الصفحِ جمُّ الحنانْ
٢٢
ما كنتُ في شكوايَ بالمذنبِومنكَ يا ربِّ أخذتُ الأمانْ
٢٣
ما أنا بالزاري ولا الحاقدِلكنني الشَّاكي شقاءَ البشَرْ
٢٤
أفنيتُ عمري في الأسى الخالدِفجئتُ أستوحيكَ لطفَ القدَرْ
٢٥
تمرَّدت روحي على هيكليوهيكلُ الجسمِ كما تعلمُ
٢٦
ذاك الضعيفُ الرأيِ لم يفعلِإلَّا بما يوحي إليه الدمُ
٢٧
يَعرُقُ حدُّ السيفِ من لحمهويحطمُ الصّفوانُ بنيانَهُ
٢٨
وينخَرُ الجرثومُ في عظمهِومنهُ يُنْمي القبرُ ديدانُه
٢٩
ما هوَ إلَّا كومةٌ من هباءتمحقهُ اللمسةُ من غضبتِكْ
٣٠
فكيف يشني الروحَ عما تشاءوكيف يقوى وهي من قدرتكْ
٣١
روحُكَ في روحي تبثُّ الحياهْنزلتُ دنيايَ على فجرِها
٣٢
فنْ جفاها ذاتَ يومٍ سناهْلاذتْ بليلِ الموتِ في قبرِها
٣٣
ومثلما قدَّرْتَ صوَّرتَهافروحكَ الصوتُ وروحي الصدَى
٣٤
طبيعةٌ في الخلْقِ ركَّبتهاوما أرى لي في بِناها يدا
٣٥
لكنّما روحُكَ من جوهرِصافٍ وروحي ما صَفتْ جوهرا
٣٦
أوْ لا فما للخيرِ لم يُثمرِفيها وما للشرِّ قد أثمرا
٣٧
تقولُ روحي إنها مُلهَمهْفهيَ لما قدَّرْتُه مُتبِعهْ
٣٨
مقودةٌ في سيرها مُرْغمَهْوإنْ تراءَتْ حرَّةً طيِّعهْ
٣٩
قيّدتها بالجسم في عالمِتضجُّ بالشهوة فيهِ الجسومْ
٤٠
كلاهما في حبّهِ الثمِلم يصْحُ من سُكراهُ وهو الملومْ
٤١
تُبدي بهِ الأجسامُ سحرَ الحياهْفي معرضٍ يجلو غريبَ الفنونْ
٤٢
نواعسَ الأجفانِ حُوَّ الشفاهْشديدةَ الِغراءِ شتَّى الفتونْ
٤٣
ولم أكنْ أولَ مُغرَى بماأغرَتْ بهِ حواءَ أو دما
٤٤
رثٌ تمشَّى في دمي منهماميراثهُ ينتظمُ العالما
٤٥
فأنتَ قدَّرتَ عليَّ الشقاءمن حيثُ قدَّرتَ عليّ النعيمْ
٤٦
وما أرى هل في غدٍ لي ثواءبالخلدِ أمْ مثوايَ نارُ الجحيمْ
٤٧
ما أثِمتْ روحي ولا أجرمتْولا طغى جسمي ولا استهترا
٤٨
عناصرُ الروح بما أُلهِمَتْأوحت لى الجسمِ فما قصَّرا
٤٩
كلاهما لم يَعْدُ تصويرَهُما كان لَّا مِثلما كُوِّنا
٥٠
كم حاولا بالأمسِ تغييرَهُفاستكبرَ الطبعُ وما أذعنا
٥١
أمنذِري أنت بيومِ الحسابْولائمي أنتَ على ما جرى
٥٢
رُحماك ما يرضيكَ هذا العذَابْلطيّعٍ لم يَعْصِ ما قُدِّرا
٥٣
ما كنتُ لا مثلما رُكِّبَتْغرائزي ما شئتَ لا ما أشاء
٥٤
فلتجزِها اليوم بما قدَّمتْوإن تكنْ مما جَنتهُ براء
٥٥
وفيمَ تُجزى وهيَ لم تأثمِألستَ أنت الصائغَ الطابعا
٥٦
ألمْ تسِمْها قبلُ بالميسمِألمْ تصُغْ قالبها الرائعا
٥٧
ألم تصُغْها عنصراً عنصرامن أين ما علمي وأنت العليمْ
٥٨
جَبَلتها يومَ جبلتَ الثرىمن عالم الذرِّ ودنيا السَّديمْ
٥٩
الخيرُ والشرُّ بها توأمانْوالحبُّ والشهوة في طبعِها
٦٠
حوّاءُ والشيطانُ لا يبرحانْيُساقِطان السّحرَ في سمعِها
٦١
تشكّكتْ نفسي بما تنتهيإليهِ دنياها وماذا يكونْ
٦٢
مضتْ فما بتْ بما تشتهيمن حيرة الفكر وهجس الظنونْ
٦٣
رأتْ ساري في قيودٍ ثقالْبين يدَيْ ذي مِرّةٍ يبسمونْ
٦٤
يسوقهم في فلواتِ الليالْفي بطشِ جَبَّارينَ لا يرحمونْ
٦٥
نْ ضجَّ في الأغلالِ منهم طليحْأخرسهُ السوطُ الذي يُرهفُ
٦٦
وإنْ هوى للأرضِ منهمْ جريحْأنهضهُ في قيدهِ يَرْسُفُ
٦٧
يا ويحهم ما عرفوا مَوئِلامن قسوةِ الدهرِ وجورِ القضاء
٦٨
يا أرضُ ما كنتِ لنا منزلاما أنتِ لا موبقُ الأبرياء
٦٩
أفي سبيل العيشِ هذا الصراعْأم في سبيل الخلدِ والخرهْ
٧٠
وهؤلاء البائسونَ الجياعْتطحنهم تلك الرَّحى الدائرهْ
٧١
ما ذنبُ هذا العالم الثَّائِرِنْ حاولَ الفلاتَ من سره
٧٢
ما كانَ في ميلادهِ الغابرِأسعدَ حالاً منهُ في حاضره
٧٣
ما كانَ لو لم تنزُ لامُهُبالماجنِ الرُّوحِ ولا الهائمِ
٧٤
ولو جرَتْ بالصفوِ أيامهُما كانَ بالرَّازي ولا الناقمِ
٧٥
رأى بعينيه المصيرَ الرهيبْوكيف غالَ الناسَ من قبْلِه
٧٦
وكلَّ يومٍ للمنايا عصيبْيسوقُهم للموتِ من حولِهِ
٧٧
فحقَّرَ الدُّنيا وأزرى بهاوقالَ ما لي أنكرُ الواقعا
٧٨
فلتَسْعَدِ النفسُ بأنخابهامن قبْلِ أن تلقى الغدَ الرائعا
٧٩
أيصبحُ الإنسانُ هذا الرميمْوالجيفةَ الملقاةَ نهبَ الترابْ
٨٠
أيستحيلُ الكونُ هذا الهشيموالظلمة الجاثمُ فيها الخراب
٨١
لمنْ ذاً تبدعُ تلك العقولْأفي الرَّدى تدرك ما فاتها
٨٢
أم في غدٍ تثوي بتلك الطلولْويسحقُ الدهرُ يواقيتَها
٨٣
وسفا للعالَمِ البائدِليس له مما يرى مهربُ
٨٤
على رنينِ المنجَلِ الحاصدِمضى يُغنِّي وهوَ لا يطربُ
٨٥
فَدَعهُ ينسى بعضَ ما حُمِّلامن نكد الدنيا وضنكِ الحياهْ
٨٦
وأوْلِهِ العطفَ الذي أمَّلافإنهُ أولى بعطفِ اللهْ
٨٧
ما هي لَّا لحظاتٌ قصارْتَمُرُّ مِثْلَ الومضِ في عينهِ
٨٨
فن مضى الليلُ وجاءَ النهارْعاودَهُ الخالدُ من حزنهِ
٨٩
وما أتى الغَيَّ ليعصى اللهْيوماً ولا كان بهِ مُغرَما
٩٠
لكنْ لينسى شقواتِ الحياهْوسرَّها المستغلقَ المبهما
٩١
يا للشقيّ القلبِ كم سامهُتوهُّم النعمةِ ما لا يُطيقْ
٩٢
يُريدُ أن يُقنعَ أوهامهُبأنّهُ ذاك الخليُّ الطليقْ
٩٣
هأنذا أرفعُ لامَهُلى سماءِ المنقذِ الأعظمِ
٩٤
أنا الذي ترسلُ أنغامَهُقيثارةُ القلبِ ونايُ الفمِ
٩٥
من عبراتي صُغتُ هذا المقالْومن لهيب الروحِ هذا القلمْ
٩٦
ملأتُ منهُ صفحاتِ الليالْفضمِّنَتْ كلَّ معاني الألمْ
٩٧
أنا الذي قدَّسْتَ أحزانَهُالشَّاعرُ الباكي شقاءَ البشرْ
٩٨
فَجَّرْتَ بالرحمةِ ألحانَهُفاملأْ بها يا ربِّ قلبَ القدرْ
٩٩
ما الشاعرُ الفنّانُ في كونهِلَّا يدَ الرحمة من ربّهِ
١٠٠
مُعَزِّيَ العالمِ في حزنِهِوحاملَ اللامِ عن قلبهِ
١٠١
عزاؤهُ شعرٌ بهِ أهزجُفي نغمٍ مستعذَبٍ ساحرِ
١٠٢
ما يحزنُ العالم أو يبهجُلَّا على قيثارةِ الشاعرِ
١٠٣
يا ربِّ ما أشقيتني في الوجودْلَّا بقلبي ليتهُ لم يكنْ
١٠٤
في المثل الأعلى وحبِّ الخلودْحمّلتهُ العبءَ الذي لم يَهُنْ
١٠٥
خلقتهُ قلباً رقيقَ الشغافْيهيمُ بالنورِ ويهوى الجمالْ
١٠٦
حَلَتْ له النجوى ولذَّ الطوافْبعالم الحسنِ ودنيا الخيالْ
١٠٧
بعثتهُ طيراً خفوقَ الجناحْعلى جِنانٍ ذاتِ ظلٍّ وماءْ
١٠٨
أطلقتهُ فيها قُبَيْلَ الصباحْوقلتَ غنّ الأرضَ لحنَ السماءْ
١٠٩
فهامَ في فاقها الواسعهْالنُّورُ يهفو حولَهُ والنَّدى
١١٠
مُصفِّقاً للضحوةِ الساطعهْومنشداً ما شاءَ أن يُنشدا
١١١
نْ جاءَ صيفٌ أو تجلَّى ربيعْحيَّاهُ منهُ عبقريُّ الغِناءْ
١١٢
وكم خريفٍ في نشيدٍ بديعْتظلُّ ترويه ليالي الشتاءْ
١١٣
قيثارةٌ تصدرُ في فإنِّهاعن عالم السِّحر ودنيا الخفاءْ
١١٤
على الصَّدَى الحائِر من لحنهايستيقظُ الفجرُ ويغفو المساء
١١٥
مَشتْ على الأمواجِ أنغامُهاوالأرضُ قيدَ النشوة المسكِرهْ
١١٦
كأنما ترقصُ أحلامُهافي ليلةٍ شرقيةٍ مُقمرهْ
١١٧
من قلبهِ أسلَسْتَ أوتارَهافقلبُهُ يخفقُ في كفِّه
١١٨
يشدو فتُملي النفسُ أسرارهاعليهِ فهيَ اللحنُ من عزفهِ
١١٩
ذاتَ صباحٍ طار لا يُمهِلُوالأرضُ سَكرى من عبيرِ الزهورْ
١٢٠
على حصاها رنَّمَ الجدولُوفي روابيها تُغنّي الطيورْ
١٢١
ما كان يدري قبلَ أن ينظراما خَبأتْهُ النظرةُ العاجلهْ
١٢٢
ما أبدعَ الحلم الذي صوَّرالوْ لم تَشبْهُ اليقظةُ القاتلهْ
١٢٣
مرَّ بنهرٍ دافقٍ سلسبيلْتهفو القمارى حوله شاديَهْ
١٢٤
في ضفتيهِ باسقاتُ النخيلْترعى الشياهُ تحتها ثاغيهْ
١٢٥
فهاجت النظرةُ مما رأىفي قلبهِ الحسرَ وفي عينهِ
١٢٦
الكونُ يبدو وادعاً هانئاكأنهُ الفردوسُ في أمنِه
١٢٧
فظلَّ في التفكير مستغرقامن فتنة الدنيا ومن سحرِها
١٢٨
ما كان لَّا ريثما حدَّقاحتى جَلَتْ دنياهُ عن سرِّها
١٢٩
رأى بعينيهِ الذي لم يَرهْالذئبَ والشاةَ وحربَ البقاءْ
١٣٠
ما عَرفَ القتلَ ولا أبصرهْولا رأى من قبلُ لونَ الدماءْ
١٣١
ما هي لا صرخاتُ الفزعْوصيحةُ المقتولِ والقاتلِ
١٣٢
قد انقضى الأمرُ كأنْ لم يقعْوضاع صوتُ الحقّ في الباطلِ
١٣٣
وبعدَ ساعاتٍ يُوَلّي النهارْويقبلُ الليلُ وما يعلمُ
١٣٤
سيلبثُ السرُّ وراءَ الستارْويختفي الشلوُ ويُمحى الدمُ
١٣٥
فرُوّع الشاعرُ مما رهُوهامَ في الأرض على وجههِ
١٣٦
أين ترى يا أرضُ يُلقي عصاهُوأيُّ وادٍ ضلَّ في تيههِ
١٣٧
حتى ذا شارفَ ظلَّ الشجرْفي روضةٍ غناءَ ريَّا الأديمْ
١٣٨
قد ضَحِكتْ للنور فيها الزَّهرْوصفَّقَتْ أوراقُها للنسيمْ
١٣٩
ختار في الظلِّ له مقعدافي ربوةٍ فاتنةٍ ساحرَهْ
١٤٠
أذاب فيها الشفقُ العسجداوناسمتها النفحةُ العاطرهْ
١٤١
بينا يُمَلِّي العينَ من سحرهاإذ أبصر الصَلَّ بها مُطرقا
١٤٢
قد انتحى الأطيارَ في وكرِهافسامَها من نابهِ موبقا
١٤٣
هل سمِعَتْ أذناك قصفَ الرعودْفي صخَبِ البحرِ وعصفِ الرياحْ
١٤٤
هل أبصرتْ عيناك ركضَ الجنودْفي فزعِ الموتِ وهولِ الكفاحْ
١٤٥
ن كنتَ لم تبصرْ ولم تسمعِفقِفْ لى ميدانها الأعظمِ
١٤٦
ما بين ميلادكَ والمصرعِما بين نابي ذلك الأرقمِ
١٤٧
جريمةُ الغدرِ وسفكِ الدمِجريمةٌ لم يخلُ منها مكانْ
١٤٨
يا لُجةً كلٌّ إليها ظميقد جاز طوفانُكِ شمَّ القنانْ
١٤٩
من علّم الوحشَ الأذى والقتالْمن بثَّ فيهِ الشرَّ أو ألهمهْ
١٥٠
من علّم الثعبانَ هذا الختالْوالحيوانَ الغدرَ من علّمهْ

المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.

عن علي محمود طه

عُرف بـ«المهندس» لأنه تخرّج في مدرسة الهندسة التطبيقية وعمل في الوظائف الحكومية حتى صار وكيلًا لدار الكتب المصرية. ارتبط اسمه بالمنصورة التي وُلد فيها ودُفن فيها بعد وفاته بالقاهرة. كتب كلمات أغانٍ لُحّنت وشدت، من أشهرها «الجندول» التي كانت سببًا في شهرته، وله دواوين شعرية منها «الملاح التائه» و«أرواح شاردة» و«زهر وخمر».

قصائد أخرى لـعلي محمود طه الكل

أبلغ عن خطأ في القصيدة