١
إلى قِمَّةِ الزَّمنِ الغابرِسَمَتْ رَبَّةُ الشعر بالشاعرِ
٢
يَشُقُّ الأثيرَ صدىً عابراًوروحاً مُجَنَّحَةَ الخاطرِ
٣
مضتْ حرةً من وثاق الزَّمانِومن قبضةِ الجسدِ الآسرِ
٤
وأوفتْ على عالَمٍ لم يكنْغريباً على أمسِها الدَّابرِ
٥
نمَتْ فيه بين بناتِ السديمِوشبَّتْ مع الفلكِ الدائرِ
٦
تُلقَّنُ سيرَتَها في الحياةوتنطُقُ بالمثلِ السائرِ
٧
وترْسُمُ أسماءَ ما عُلِّمَتْمن القلم المبدع القادرِ
٨
مشاهدُ شتى وَعَتها العقولُوغابتْ صُواها عن الناظرِ
٩
وجودٌ حوى الروح قبل الوجودِوماضٍ تمثَّلَ في حاضرِ
١٠
تبدَّى لها فانجلى شكُّهاوثابت إلى وَعْيِها الذَّاكرِ
١١
وأصغت فمرت على سمعِهاروايةُ ميلادِها الغابرِ
١٢
هو البعثُ فاستمعوا واقرأواحديثَ السَّماءِ عن الشاعرِ
١٣
عَجبتُ مَنِ الملَكُ العابرُومنْ ذلك الشَّبَحُ الطَّائرُ
١٤
أهَلَّا علينا فما سلَّماولا صافح الناظرَ الناظرُ
١٥
وللرِّيحِ حولهما زَفَّةٌكما صَدَحَ المِزْهَرُ الساحرُ
١٦
أفي عالمِ الأرضِ بعثٌ جديدأم الوهْمُ مثّله الخاطرُ
١٧
نعم هو روحٌ جميلُ الإهابيُنِيلُ الرِّياحَ جَنَاحَيْ مَلَكْ
١٨
وذلك هرميسُ يَسْري بهِسُرى النورِ في سُبُحاتِ الفلكْ
١٩
عرفناهُ لا شكَّ هذا فتىًسَيَسْلُكُهُ الفنُّ فيمن سَلَكْ
٢٠
غداً تملأُ الأرضَ ألحانهُويَبْقى صداها إذا ما هلَكْ
٢١
إلى الأرضِ فليمضِ هذا الشقيُّألا ولتَفِضْ كأسُهُ بالشجونْ
٢٢
جزاءً لِما غضّ من أمرناومرَّ كأنْ لمْ تلاقَ العيونْ
٢٣
أراهُ ولمَّا يَزَلْ بينناأصابَتْه لُوثَةُ أهلِ الفنونْ
٢٤
لئنْ صحَّ ما كان من أمرهِفيا شِقْوَةَ الأرضِ ممَّا يكونْ
٢٥
حنانكِ يا أختِ لا تغضَبيفما اختالَ زهواً ولا استكبرا
٢٦
لقد كفَّ عينيهِ بَرْقُ الحياةِفمرَّ بنا دون أن يُبْصِرا
٢٧
لنا مِثْلُهُ في غدٍ غشيةٌإذا ما حللنا رحابَ الثرى
٢٨
إذا كان في الأرضِ هذا الشقاءُفلا كانَ بَعْثٌ ولا قُدِّرا
٢٩
أرى في حديثكِ معنى الرِّضاوأسمعُ فيهِ هُتَافَ الحنانْ
٣٠
فهلا ذكرتِ لهُ إخوةًحديثهمُ ملءُ سَمْعِ الزمانْ
٣١
أصاروا الفنونَ رُمُوزَ الأثامِواستلهموا الشرَّ سِحْرَ البيانْ
٣٢
وأغرَوْا بحواءَ ما لُقِّنواوما حذَقُوا من طريدِ الجنانْ
٣٣
ألمْ تسمعِي بفتى شاعرٍيُحَمِّلُها عبءَ أوزارِهِ
٣٤
ترَشَّفها خمرةً فانتشَىفألقمها مرّ أثمارِهِ
٣٥
أنالته أجمَل أزهارِهافأهدى لها شَرَّ أزهارِهِ
٣٦
إذا كنتِ يا أخت لم تسمعيخُذي فاقرأي بعضَ أشعارِهِ
٣٧
ولفَّتْ ذراعين كالحيّتينِعليَّ وبي نشوةٌ لم تطِرْ
٣٨
وقد قرَّبتْ فمَها من فميكشِقَّينِ من قبَسٍ مُسْتَعِرْ
٣٩
أشمُّ بأنفاسها رغبةًويهتفُ بي جفنُها المنكسرْ
٤٠
تبيَّنْتُ في صدرها مصرعيوآخرة العاشقِ المنتحِرْ
٤١
أفي حُلُمٍ أنا أم يقظةٍومنْ أنتِ أيتها الخاطئهْ
٤٢
هو الحبُّ لا بل نداءُ الحياةتُلبِّيهِ أجسادُنا الظامئهْ
٤٣
يَخِفُّ دمي لصداهُ الحبيبِوتدفعني القُدرةُ الهازئهْ
٤٤
كأني ببحرٍ بعيدِ القرارطوى أفقَه وزوَى شاطئهْ
٤٥
أرى ما أرى جسَداً عارياًتضجُّ به الشهوةُ الجائعهْ
٤٦
أرى ما أرَى حَدَقيْ ساحرتؤجّان بالنظرة الرائعهْ
٤٧
أرى ما أرى شَفتيْ غادةٍترِفَّان بالقُبلَةِ الخادعهْ
٤٨
تُساقطني ثمراً ما أرىأرى حيَّةَ الجنَّة الضائعهْ
٤٩
بعينكِ أنتِ فلا تُنكريصفاتِ أنوثتكِ الشَّاهدهْ
٥٠
تَمثَّلْتِ شتَّى جسومٍ وكمتجدَّدْت في صُوَرٍ بائدهْ
٥١
نعم أنت هنَّ نعم ما أرىأرى الكلَّ في امرأةٍ واحدهْ
٥٢
لقد فنيَتْ فيك أرواحهنوها أنتِ أيتها الخالدهْ
٥٣
لقد كنتِ وحْي رَخامٍ يصاغُفأصبحتِ لحماً يثير الدماءْ
٥٤
وكنتُ فتىً ساذجاً لا أرىسوى دميةٍ صوِّرت من نقاءْ
٥٥
أُنيلُ الثرى قَدَميْ عابرٍيعيش بأحلامِه في السماءْ
٥٦
فأصبحتُ شيئاً ككل الرجالوأصبحتِ شيئاً ككل النساءْ
٥٧
وكنتِ أميرة هذي الدُّمىوصورةَ حُسنٍ عزيز المنالْ
٥٨
وكنتِ نموذجَ فنِّ الجمالِأحبُّكِ للفنِّ لا للجمالْ
٥٩
أرى فيكِ ما لا تحدُّ النّهىكأنكِ معنىً وراء الخيالْ
٦٠
فجرَّدْتِني رجلاً أشتهيوجرَّدتُ أنثى تشهَّى الرجالْ
٦١
دعيني حواءُ أو فابعديدعيني إلى غايتي أنطلِقْ
٦٢
أخمرٌ ونار لقد ضاق بيكِياني وأوشِكُ أن أختنِقْ
٦٣
أرى ما أرى لهباً بل أشمُّرائحةَ الجسد المحترقْ
٦٤
فيا لكِ أفعى تشهَّيتُهاويا ليَ من أُفعوانٍ نزقْ
٦٥
كفانا فقد جُنَّ هذا الفتىوجاوز حدَّ الكلام المباحْ
٦٦
نكاد نُحِسُّ اختلاجَ النجومونسمع مُضْطرباً في الرياحْ
٦٧
مريضُ الغريزةِ فتَّاكُهاحَبَتْهُ الطبيعةُ أمضَى سلاحْ
٦٨
سَقَتْهُ الشياطينُ يحمومَهافمجَّ الرحيقَ وذمَّ الصباحْ
٦٩
تأثَّم بالفنِّ حتى غوَىوما الفنُّ بالمرأةِ الخاطئهْ
٧٠
هو الدمُ واللحمُ ما يشتهيهو الخمرُ والمتعةُ الطارئهْ
٧١
وكم في الرجالِ سُعَارُ الوحوشإذا لمسوا الجُثَّةَ الدافئهْ
٧٢
فلا تذكري فنَّ هذا الفتىبل الحيوانيةَ الخاسئهْ
٧٣
رأى جسمَ حواءَ فاشتاقَهفهاجتْ به النزوة المُسْكِرَهْ
٧٤
سَبى روحَها فاشتهى جسمَهافثارتْ بعزّةِ مستكبرَهْ
٧٥
سَمَا جسمُها وتأبَّى عليهفجرَّدَ في وجهها خِنجرَهْ
٧٦
وهمَّ بها فالتوى قصدهُفأرسل صيحتَه المُنكرَهْ
٧٧
ألمْ يَنسِمِ الخُلدَ من عطرهاألمْ يعْبدِ الحسنَ في زهرِها
٧٨
ألم يقبسِ النورَ من فجرهاألم يسرقِ الفنَّ من سحرِها
٧٩
شفَتْ غُلّةَ الفنِّ حتى ارتوىوإن دنَّسَ الفنُّ من طهرِها
٨٠
وهامَتْ على ظمأٍ روحُهاوكم ملأوا الكأسَ من خمرِها
٨١
على مَذْبَحِ الحب من قلبهاسِراجٌ يُسبِّح مَنْ لألأه
٨٢
منارٌ يجوبُ الدجى لمحهُفتلقى السفينُ به مرفأه
٨٣
يبثُّ الحرارةَ بَرْدَ الشتاءِويُلهبُ شُعلته المطفأه
٨٤
وتمشي الحياةُ على نورِهِوما نورُهُ غيرُ عينِ امرأه
٨٥
خطيئتُها قِصَّةُ الملهمينوإغراؤها الفرَحُ المفتقَدْ
٨٦
بأرواحهم يَرتقون الخلودَعلى سُلَّمٍ من متاع الجسدْ
٨٧
ولو لم تكن لهوى فإنّهمصريعَ الظلام قتيلَ الجمَدْ
٨٨
وما الفنُّ إلَّا سعيرُ الحياةِوثورتُها في محيط الأبدْ
٨٩
لهيبٌ إذا الرُّوحُ مرَّتْ بهِتضاعفتِ الرُّوحُ في نارهِ
٩٠
يُطيقُ القويُّ لظى جَمْرِهِويعشو الضعيفُ بأنوارهِ
٩١
رَمَتْ فيهِ حواءُ آثامهافذابتْ على صُمِّ أحجارهِ
٩٢
لقد قرَّبَتْ جَسداً عارياًوقلباً يَضِنُّ بأسرارهِ
٩٣
أمن صَنْعَةِ اللّه هذا الجمالْنعم ومن الفنِّ هذا المثالْ
٩٤
على مَعْرِضٍ مرمري الدُّمىترامى أشعتُه والظلالْ
٩٥
تماثيلُ من جسدٍ فاتنٍتأبَّى على شهواتِ الرجالْ
٩٦
حَبَتهُ الطبيعةُ أسرارَهاولاقى الحقيقةَ فيهِ الخيالْ
٩٧
لقد أخذَتْنا شجونُ الحديثوكم في حديث الفتى من شجونْ
٩٨
سَمَرنا بهِ وجهلنَا اسمَهُوما حظُّه من رفيعِ الفنونْ
٩٩
أمِنْ ربَّةِ الشعر إلهامهُأم الوترِ الأُرفُسيِّ الحنونْ
١٠٠
أم المرمرِ الغضِّ يجلو بهِرفيفَ الشفاهِ ولمْحَ العيونْ
١٠١
هي وحيهُ من سماءِ الأُولمبِوآلهةِ الحكمة الغابرينْ
١٠٢
فما هو بالملَكِ المستعزِّولكنَّهُ الآدميُّ المَهينْ
١٠٣
وما الآدمية بنتُ السَّماءِولكنَّها بنتُ ماءٍ وطينْ
١٠٤
يريدُ لها الفنُّ أفقَ النُّجومفيُقْعِدُها جسمُ عبدٍ سجينْ
١٠٥
وما فإنُّهُ ما أراهُ سوىأداةِ مطامعِه الواسعهْ
١٠٦
غداً يستَغلُّ غرامَ الحسانِسبيلاً إلى الشُّهرةِ الذائعهْ
١٠٧
يصيبُ بهنَّ خُلودَ اسمِهِوهنَّ قرابينُهُ الضائعهْ
١٠٨
تمنَّيْتُ لو أطلقَتنا السماءُويا حَبذا لو بُعِثنا مَعَه
١٠٩
ألا حبذا الأرضُ مغدىً لناوإن بشَّرَتها المنايا بنَا
١١٠
وما الأرضُ بالمنزلِ المسْتَطابِولكنَّهُ ثأرُ أترابنَا
١١١
لنشربَ منْ دمِ هذا الفتىمُصفَّى الرحيقِ بأكوابنَا
١١٢
ونجعلَ من حشرجاتِ الرجالتحيَّةَ شادٍ لأنخابنَا
١١٣
ونسلُبُ ما رزِقُوا من حجىًونهدمُ ما رفعوا من قِبابْ
١١٤
ونبني لهم نُصُباً خالداًيكون على الدَّهرِ رمزَ العقابْ
١١٥
تطوف به لَعَناتُ السَّماءِوترصُدُهُ مُثُلاتُ العذابْ
١١٦
ولكن أرى غيرَ ما قلتُماوما الغدر في الرأي كلُّ الصوابْ
١١٧
إذا خَلَتِ الأرضُ من طيرهمفمن ذا يُحيّي الجمالَ القسيمْ
١١٨
ومن يُطلِقُ الحبَّ من وكرِهِعلى خطَراتِ الغناءِ الرَّخيمْ
١١٩
وفيمَ نُرَقِّشُ هذا الجناحَونصقلُه ببنانِ النعيمْ
١٢٠
طيورَ السماء حَذَارِ الوقوعَعلى حَطبٍ في الثَّرى أو هشيمْ
١٢١
أيغريكِ بالحبِّ سُودُ اللِّحىغِلاظُ الشِّفاهِ العراضُ الطِّوالْ
١٢٢
كأنَّ الهوى صُنْعُ أيديهمُفمن غيرهم كلُّ عيشٍ مُحَالْ
١٢٣
إذا شئتِ كان لنا عالَمٌيحوط الأنوثةَ فيهِ الجلالْ
١٢٤
حَمتْ رِقَّةَ الجنسِ ربَّاتُهُفليس بها حاجةٌ للرجالْ
١٢٥
لكلِّ اثنتينِ هَوىً واحدٌتلاقَى على سرِّهِ مهجتانْ
١٢٦
وعُشّ يضمهما في المساءِوروضٌ به في الضُّحَى يعبثانْ
١٢٧
وفي ركنِ خدْرهما مِغْزَلٌوفوقَ الأريكةِ قيثارتانْ
١٢٨
وتحت الوسادة أقصوصةٌلقلبين لم يَروِها عاشقانْ
١٢٩
ماذا تُرى صَنَعَ العاشقانوما ذكرياتُ الليالي الحسانْ
١٣٠
حديثُكِ إنْ لم يكنْ بدْعةًفحُلمٌ جَرَى في قديمِ الزمانْ
١٣١
وصيحةُ مُخفقةٍ في الهوىمُعَربدةِ الرُّوحِ سكرَى اللسانْ
١٣٢
الأنوثةَ هذا الهوانْوفيها الدهاءُ القويُّ الجنانْ
١٣٣
لنا الكيدُ إن خذلَتنا القُوىأحابيلُ شتى وفنٌّ عجابْ
١٣٤
نُلقَّاهُ عن مَلكاتِ الزَّمانِأقاصيصَ لم يروِ عنها كتابْ
١٣٥
وقد نستعيرُ صفاءَ النميروقد نستمدُّ صراعَ العبابْ
١٣٦
وقد نسحبُ الليلَ فوق القلوبونغري العيون بقوسِ السَّحابْ
١٣٧
نساقِطُهم من غَواياتناأزاهرَ تَندى بماء الشبابْ
١٣٨
إذا لألأتْ فوق موج الشُّعورأثارتْ بهم ظمأً للسَّرابْ
١٣٩
بألوانِها الحمر جَمْرُ الغضاوفي نفحِها لفَحَاتُ العذابْ
١٤٠
هو الفنُّ لا ترتوي روحهُبأشهى من الأرجوانِ المذابْ
١٤١
هو الحسنُ فتَّانُنا العبقريُّهو الحبُّ سلطاننا القاهرُ
١٤٢
ممثلهمْ لُعْبةٌ في يديهِومثَّالهم إصبَعٌ فاجرُ
١٤٣
وألحانهم من فحيح العروقِيُصَعِّدُها الوترُ الساخرُ
١٤٤
ورسَّامهم صَنَمٌ مُبْصِرٌفإنْ جُمِعوا فَهُمُ الشَّاعرُ
١٤٥
قلوبٌ مُدلَّهةٌ بالجمالِترى فيه معبودَها المُلْهَما
١٤٦
هو الرجلُ القلبُ لا غيرُهُفأودِعْنَهُ القبسَ المضرَما
١٤٧
أنِمْنَ به الشَّرسَ المستخفَّوأيقِظنَ فيهِ الفتى المغرَما
١٤٨
اقتحمتنَّ السياجَفقد خضعَ الكونُ واستسلما
١٤٩
ولكنْ حَذارِ ففي طبعٌلِيانٌ يسمُّونَهُ بالوداعهْ
١٥٠
وفيهم جراءةُ مستأسدٍتحدَّى المنيةَ باسمِ الشجاعهْ
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.