١٥١
وهِمْتِ فذلك هَزْلُ الرجالوفنٌّ أجزنا عليهم خداعهْ
١٥٢
نذيبُ بهِ صُلْبَ أعصابهموفي رِقَّةِ العود سِرُّ المناعهْ
١٥٣
أطلْنا الأحاديثَ عن عالَمٍمُلَثَّمةٍ أرضُهُ بالخفاءْ
١٥٤
جعلناهُ مَطمَحَ أحلامناكأنَّا شَقِينا بِسُكنى السَّماءْ
١٥٥
طَوانا على حُبِّهِ شاعرٌكثيرُ المجانة نَزْرُ الحياءْ
١٥٦
أثارَ الملائكَ في قُدسِهاوأوقعَ في سحرهِ الأبرياءْ
١٥٧
عَجِبْتُ له كيف جاز السماءَوغرَّر بالملِ إالطاهرِ
١٥٨
أيمرحُ في الكونِ شيطانُهُبلا وازعٍ وبلا زاجرِ
١٥٩
دَعي الوهمَ سافو ولا تحقِريبليتيس معجزةَ الشاعرِ
١٦٠
فما نتَّقِيهِ بحيَّاتناإذا هو ألقى عصا الساحرِ
١٦١
بليتيس هل هو ذاكَ الخيالالمُجنَّحُ بين حواشي الغيومْ
١٦٢
عشيةَ صاح بأترابناوقد أخطأتْه قِسِيُّ الرُّجومْ
١٦٣
وقيلَ لنا مَلَكٌ عاشِقٌيُسرّي الهمومَ ببنتِ الكرومْ
١٦٤
يجوبُ السماءَ إذا ما انتشىيُعربدُ بين خدورِ النجومِ
١٦٥
أعاجيبُ شتَّى لهذا الفتىوأعجبُ منها الذي تذكرينْ
١٦٦
كأنَّ أحاديثَه بينناأساطيرُ آلهةٍ غابرينْ
١٦٧
إذا كان للفنِّ هذا الصِّيالُفوارحمتَا للجمال الغبينْ
١٦٨
ودَدْتُ لو أنِّي في إثرِهِدرجتُ على الأرض في الدارجينْ
١٦٩
أتُغوين بالشعر شيطانَهخياليةٌ أنتِ أم شاعرهْ
١٧٠
بل الشعرُ آسرُهُ المستبدُّفيا ليتَ لي روحَه الآسرهْ
١٧١
ويا ليتَ لي وثباتِ الخيالِوقوةَ أربابِه القاهرهْ
١٧٢
لصيَّرتُهُ مُثلَةً في الحياةِوسُخريةَ البعثِ في الآخرهْ
١٧٣
صفي لي بِليتيسُ هذا الأملْوماذا ابتدعتِ له من حِيَلْ
١٧٤
أُدلِّهُ هذا الفتى بالجمالِوأُسمِعُه من رقيق الغزَلْ
١٧٥
وأورثه جُنَّةً بالرحيقِوأحرِمهُ رَشفَاتِ القُبَلْ
١٧٦
إلى أنْ تُحرَقَ أعصابهُويصرَعه طائفٌ من خَبَلْ
١٧٧
وأحفرُ بعد الردى قبرَههناك على قمَّةِ الهاويَهْ
١٧٨
وأغرس في قلبهِ زهرةًمن الشرِّ راويةً ناميَهْ
١٧٩
سَقَتْها سمومُ شرايينهورفَّتْ بها روحهُ العاتيَهْ
١٨٠
تخفُّ إليها قلوبُ الرجالوترجع بالشوكةِ الداميَهْ
١٨١
إذا جنّها الليلُ لاحتْ بهكعينٍ من اللهبِ المضطرمْ
١٨٢
تثور الشياطينُ من عطرهاكمجمرة الساحر الملتثمْ
١٨٣
إذا استافَها الرَّجلُ العبقريُّتحوَّل كالحيوان الوخِمْ
١٨٤
تضُجُّ البلاهة من حولهِوينظر كالصنَّمِ المبتسمْ
١٨٥
هَبي الشعرَ أولاكِ من مُلكهسماءَ الأُلوهةِ ذات البروجْ
١٨٦
ونصَّ المعانيَ عن جانبيكِفمنها السُّرَى وإليكِ العروجْ
١٨٧
فما تصنعينَ إذا ما بُعِثْتِواحدةً من بناتِ الزُّنوجْ
١٨٨
ألم تقرأي قِصَّةَ السامريِّوما صَنَعَ القومُ بعد الخروجْ
١٨٩
نَبا منطقُ الوحيِ في سمعهموخفَّ عليهِ رنينُ الطربْ
١٩٠
ومدُّوا العيونَ إلى فتنةٍتجسَّد في حيوانٍ عَجَبْ
١٩١
ترامى بأحضانِه غادةٌأفادَ صِباها شبوبَ اللهبْ
١٩٢
جنونُ الحياةِ وأهواؤهاأنوثتُها وبريقُ الذَّهبْ
١٩٣
فأينَ من القومِ سحرُ البيانِوصيْحةُ موسى قُبَيل الوداعْ
١٩٤
هُمُ الناسُ لا يعشقون الخيالَإذا لم يكنْ حافزاً للطماعْ
١٩٥
هُمُ الناسُ لا يعبدون الجمالَإذا لم يكنْ نُهزةً للمتاعْ
١٩٦
هُمُ الناسُ لا يألفون الحياةَإذا لم تكنْ مَعرِضاً للخداعْ
١٩٧
تماثيلُهُ بعضُ أجسامِناوقد صاغَها العبقريُّ الصّناعْ
١٩٨
ولوحاتُهُ صُوَرُ العارياتِإذا مَزَّقَ الفنُّ عنها القِناعْ
١٩٩
أبالشِّعرِ تُغْوينَ هذا الفتىوهمْتِ إذن وجَهلتِ الطِّباعْ
٢٠٠
أليستْ لهُ صَبْوَةُ الآدميِّوشهوةُ تلك الذئابِ الجِياعْ
٢٠١
رَجعْتُ لنفسي فلا تغْضباوكُفَّا العتابَ ولا تُسْهِبا
٢٠٢
لقد رُعتمانِي بهذا المزاحوأبدَعْتما نبأً مُغرِبا
٢٠٣
سَرَتْ بيَ من ذكره رِعدةٌكأني لبِستُ به الغَيْهبا
٢٠٤
أتاييسُ لا كنتُ بنت الزنوجِولا شِمْتُ أُمَّا بهم أو أبا
٢٠٥
وصمْتِ الخليقة في بعثهمكأنهم الحدَثُ المنكرُ
٢٠٦
وما أخطأ الطيفُ ألوانَهولكنهُ اللهَبُ الأحمرُ
٢٠٧
أبوهم كما زعموا آدمٌوحواءُ أُمُّهمُ المُعْصِرُ
٢٠٨
لهم أعينٌ تتملَّى الجمالَوأفئدةٌ بالهوى تشعرُ
٢٠٩
لهم نارُهم في أقاصي الدُّجىوأبياتُهم في أعالي الكهوفْ
٢١٠
وسحرُ الطبيعةِ في عُرْيهاإذا هتَكَ الفجرُ عنها الشُّفوفْ
٢١١
ونايٌ يُقسِّمُ فيهِ الربيعُويسكبُ شَجْوَ المساءِ الهتوفْ
٢١٢
ورقصٌ يُمثِّلُ قلبَ الحياةِإذا ما استُخِفَّ بنقرِ الدفوفْ
٢١٣
تفرَّدَ فإنُّهُمُ بالخفاءوصِيغَ بفطرتهم واتَّسمْ
٢١٤
يعيشُ جديداً بأرواحهموإن عاش فيهم بروح القِدَمْ
٢١٥
له بأسُ مانا وإيحاؤهإذا اضطربتْ رُوحهُ بالألمْ
٢١٦
ورِقَّة هاوايَ في شدْوهاإذا جاشَ خاطرُها بالنَّغمْ
٢١٧
ألا فلْيَكُنْ لكِ من فإنهمسموُّ اللظى وعتوُّ الجبالْ
٢١٨
ألا فلْيكُنْ لكِ من سحرهمفنونٌ تُعطِّلُ سحرَ الخيالْ
٢١٩
ألا فليكنْ لكِ من نارهموشاحُ مؤلَّهةٍ بالجمالْ
٢٢٠
إلى الأرضِ فانتقمي للنساءِوكوني بها محنةً للرجالْ
٢٢١
سلامٌ لكُنَّ عذارى السماءسلامٌ لهرميس روحِ الإلهْ
٢٢٢
أرى ومْضَةَ الشرِّ في جوِّكنَّوأسمعُ صوتاً كأنِّي أراهْ
٢٢٣
يلاحقني في رحابِ السماءِويرتجُّ في مِسمعيَّ صداهْ
٢٢٤
لقد فارقَ البشرُ غُرَّ الوجوهِوشاعَ الذبولُ بوردِ الشفاهْ
٢٢٥
أجل أيها الملَك المجتبىصدقناكَ فاغفر عذابَ الضميرْ
٢٢٦
لقد مرَّ كالطيرِ من قربنافتىً في رعاية ربٍّ خطيرْ
٢٢٧
رآنا فأعرض عنَّا ولمْيُحَييِّ السماءَ بروحٍ قريرْ
٢٢٨
تخايلَ عُجباً بأوهامهوأمعن في شرِّه المستطيرْ
٢٢٩
ظلمتنَّ هذا الغلامَ البريءوقد غضَّ من ناظريهِ الحذَرْ
٢٣٠
أهَلَّ بقلبٍ كفرخِ القَطايرفرفُ تحتَ جناحِ القدَرْ
٢٣١
رَآكنَّ فيهِ وحيَّا بهِفلم أدْرِ حاجتَه للنظرْ
٢٣٢
وكيف تكلَّم قلبُ الفتىوما هو إلا سليلُ البشرْ
٢٣٣
هُوَ ابنُ السماءِ ولكنَّهُمن النقصِ تركيبُه والتمامْ
٢٣٤
صَنَاعُ الطبيعةِ بل صُنْعُهافمنها دَمامتُه والوَسامْ
٢٣٥
يُسِفُّ إلى حيث لا ينتهيويسمو إلى قمةٍ لا تُرَامْ
٢٣٦
ويُسْقَى بكأسٍ إلهيةٍمُرَنقةٍ بالهوى والأثامْ
٢٣٧
نقيضانِ شتَّى فما يستقرُّعلى غَضَبٍ منهما أو رضاء
٢٣٨
تحدَّى الحياةَ وآلامَهاببأسِ الجبابرة الأعلياء
٢٣٩
يزيدُ عُتُوّاً على نارهاويلمعُ جوهرهُ مِنْ صَفاء
٢٤٠
وينشقُّ عن نَضرةٍ قلبُهوإنْ طَمَرَتهُ ثلوجُ الشتاء
٢٤١
هو المرِحُ الشاردُ المستهامُشُرودَ الفراشةِ عند المساء
٢٤٢
حَبَتهُ الألوهةُ روحاً يَرَىوينطِقُ عنها بوحي السماء
٢٤٣
يحُسُّ الخيالَ إذا ما سَرَىويلمسُ ما في ضميرِ الخفاء
٢٤٤
ويبتدرُ النجمَ في أفقهفيرشُفُهُ قطرةً من ضِياء
٢٤٥
أرتهُ السماءُ أعاجيبَهاورَوَّتهُ من كلِّ فنٍّ بديعْ
٢٤٦
فضنَّ بلألاءِ هذا الجمالِوخافَ على كنزِهِ أن يضيعْ
٢٤٧
أبى أن يُبدّدَهُ ناظراهُفأطبقَ جفنيهِ ما يستطيعْ
٢٤٨
فإن شارفَ الأرضَ نادتْ بهِففَتَّحَ عيناً كعينِ الرَّبيعْ
٢٤٩
هنالكَ حيث تَشبّ الحياةُوحيث الوجودُ جنينُ العَدَمْ
٢٥٠
وحيثُ الطبيعةُ جبَّارةٌتشقُّ الوهادَ وتبني القِمَمْ
٢٥١
وحيثُ السعادة بنتُ الخيالِولذَّتها من معاني الألمْ
٢٥٢
وحيث الطريدانِ شجَّا الكؤوسَومَجَّا صُبَابتَها من قِدَمْ
٢٥٣
رَنَا والطبيعةُ في حَلِيهاوحواءُ عاريةٌ كالصَّنمْ
٢٥٤
فمن أين سارَ وأنَّى سرَىتصَدَّتهُ مقبلَةٌ من أمَمْ
٢٥٥
هنالكَ أولُ قلبٍ هفاوأولُ صوتٍ شدا بالنَّغَمْ
٢٥٦
وأولُ أنمُلةٍ صوَّرَتْوخَطَّتْ على اللوحِ قبل القَلمْ
٢٥٧
فما لكِ حواءُ أغويتِهِوأعقبتِهِ حَسَراتِ النَّدَمْ
٢٥٨
لقد كان راعيَكِ المجتَبىفأصبحَ راميَكِ المتَّهمْ
٢٥٩
ولولاكِ ما ذرفتْ عينُهُولا شامَ بارقةً فابتسَمْ
٢٦٠
وعاشَ كما كانَ آباؤهيُغنِّي النجومَ ويرعَى الغنمْ
٢٦١
لأجلكِ يَشقى بلمحِ العيونِويُصرعُ بالنظرةِ العابرهْ
٢٦٢
لَوَدَّ إلى الأرضِ لو لم يُصِخْأو ارتدَّ بالمقلةِ الحاسرهْ
٢٦٣
وكم من فتىً عزَّها سمعُهُوغضَّ على حَذَرٍ ناظرهْ
٢٦٤
عصاها فنادت فلم يستمعْفحلَّت به لعنةُ الفاجرهْ
٢٦٥
له مقلتانِ على ما وعَىمن الألَق الطُّهْر مختومتانْ
٢٦٦
ففي عقلهِ حركاتُ الزَّمانمصورةً وحدود المكانْ
٢٦٧
وفي قلبهِ أعينٌ ثَرَّةٌبها النارُ طاغية العنفوانْ
٢٦٨
وفي كلِّ خاطرة نَيْزَكٌيشقُّ سناهُ حجابَ الزمانْ
٢٦٩
إذا ما هوتْ ورقاتُ الخريفِأحسَّ لها وَخَزَاتِ السَّنانْ
٢٧٠
وإن سَكَبَتْ زهرةٌ دمعةًفمن قلبه انحدرتْ دمعتانْ
٢٧١
ومن عَجَبٍ شَدْوُهُ للربيعوقد يخطىءُ الطيرُ شدوَ الأوانْ
٢٧٢
وقيثارةُ الرِّيح ما لحنُهاسوى الريح في جفوةٍ أو حنانْ
٢٧٣
عوالمُ جَيّاشةٌ بالمنىودنيا بأهوائها تضطربْ
٢٧٤
من اللاَّنهاية ألوانُهامشعشعةٌ بالندى المنسكبْ
٢٧٥
ففيها الصباحُ وفيها المساءُوبينهما الشَّفَق الملتهبْ
٢٧٦
تطوف بها صَدَحاتُ الطروبوتسهو بها أنَّةُ المكتئبْ
٢٧٧
لكَ الحبُّ فيما أتاحتْ لناسريرتُكَ السَّمحَةُ الطاهره
٢٧٨
ومن مَلَكٍ مثلُ هذا الحديثطُمأنينةُ المهجِ الحائره
٢٧٩
عَطفْتَ على قلبِ هذا الفتىقلوباً على فَإنِّهِ ثائره
٢٨٠
وصوَّرتهُ مَلَكاً ناقماًعلى آدميتهِ الجائره
٢٨١
أجل هو ذاكَ ولو زدتكنَّلزدتُنَّ عطفاً على فإنِّهِ
٢٨٢
وما ذنبُ روحٍ نَمَتْهُ السماءُإذا ضجَّ في الأرضِ من سِجنهِ
٢٨٣
تَعلَّقَ مهواهُ فوق النجوموحَوَّمَ وَهْناً على كِنِّهِ
٢٨٤
لينعمَ في ظِلِّهِ لحظةًويملأَ عينيهِ من حسنهِ
٢٨٥
لهُ ولَعٌ بخدورِ النجومِإذا ما تخلَّصَ من طيفهِ
٢٨٦
ويا رُبَّ ليلٍ كوادي الخيالدَعَتْهُ الحقيقةُ من جوفهِ
٢٨٧
فسار يَضمُّ صدورَ الرّبابويستضحكُ النُّورَ في سُدْفهِ
٢٨٨
وغاب كأعجوبةٍ في الدُّجىتحارُ الأساطيرُ في وصفهِ
٢٨٩
على الأرضِ شيطانُهُ الحائمُوفي الكون وجدانه الساهمُ
٢٩٠
مضى سابحاً في عبابِ الأثيركما يسبحُ النظرُ الحالمُ
٢٩١
يدورُ فلا أفقٌ ينتهيإليه ولا كوكبٌ هائمُ
٢٩٢
وحيثُ هو الآن فيمن أرىهناكَ على سِرّهِ جاثمُ
٢٩٣
هناك هناك كأنّي أراهنعم خلف هذا الغمام الرقيق
٢٩٤
إذا ما عطفتنَّ ناديتهُعسى الآن من روْعِه أن يُفيقْ
٢٩٥
ألا أيُّها الروحُ مني السلامُوأنتَ بحبِّ العذارى خليقْ
٢٩٦
عرائسُ أحلامِكَ المائلاتُوما أنا إلَّا مَلاكٌ صديقْ
٢٩٧
لقد طَلعَ الفجرُ يا شاعريوكادتْ تزولُ نجومُ الصباحْ
٢٩٨
وحان الرواحُ فودِّعْ خباءَكَوادنُ أحدِّثكَ قبل الرواحْ
٢٩٩
أتهتف بي أنتَ أم هُنَّ أمْنذيرُ الردى والقضاءُ المتاحْ
٣٠٠
تراك سمعتَ أحاديثنالقد نقَلَتها إليّ الرياح
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.