١
يا أخي أين رَيْعُ ذاك اللِّقاءِأين ما كان بيننا من صفاءِ
٢
أين مصداقُ شاهدٍ كان يحكيأنك المخلصُ الصحيحُ الإخاءِ
٣
شاهدٌ ما رأيت فعلك إلاغير ما شاهدٍ له بالذكاءِ
٤
كشفَتْ منك حاجتي هَنواتٍغُطِّيتْ برهةً بحسن اللقاءِ
٥
تركتْني ولم أكن سَيِّئَ الظننِ أسيءُ الظنونَ بالأصدقاءِ
٦
قلت لمّا بدتْ لعينيَ شُنْعاًرُبَّ شوهاءَ في حَشا حسناءِ
٧
ليتني ما هتكتُ عنكن سِتراًفثويتُنَّ تحت ذاك الغطاءِ
٨
قلن لولا انكشافُنا ما تجلَّتعنك ظَلمَاءُ شُبْهةٍ قتماءِ
٩
قلت أعجبْ بكنَّ من كاسفاتٍكاشفاتٍ غَواشِيَ الظلماءِ
١٠
قد أَفدتُنَّني مع الخُبْر بالصّاحِبِ أنْ ربَّ كاسفٍ مُستضاءِ
١١
قلن أعَجِبْ بمُهْتَدٍ يتمنَّىأنه لم يزل على عمياءِ
١٢
كنتَ في شُبْهَة فزالت بها عنك فأوسعتنا من الإزراءِ
١٣
وتمنيت أن تكون على الحيرةِ تحت العَماية الطَّخْياءِ
١٤
قلت تاللَّه ليس مثلي مَنْ وَددَ ضَلالاً وحيَرةً باهتداءِ
١٥
غير أنِّي ودِدتُ سترَ صَديقيبدلاً باسْتفادة الأْنباءِ
١٦
قُلْن هذا هوىً فعرّجْ على الحققِ وخلِّ الهوى لقلْبٍ هواءِ
١٧
ليس في الحقِّ أن تودّ لخلٍّأنَّهُ الدهرَ كامنُ الأدواءِ
١٨
بلْ من الحقِّ أن تُنقِّر عنْهننَ وإلَّا فأنت كالبُعَداءِ
١٩
إن بَحْثَ الطَّبيبِ عنْ داءِ ذي الدَّاءِ لَأُسُّ الشِّفاءِ قبل الشفاءِ
٢٠
دُونك الكَشْفَ والعتابَ فقوِّمبهمَا كُلَّ خَلَّةٍ عَوْجاءِ
٢١
وإذا ما بدا لَكَ العُرُّ يوْماًفَتَتَبَّعْ نِقابَه بالهِناء
٢٢
قُلْتُ في ذاك مَوْتُكُنَّ وما الموتُ بمُستعذب لدى الأحْياءِ
٢٣
قُلْن ما الموتُ بالكريه إذا كان بحقٍّ فلا تزدْ في المراءِ
٢٤
يا أخي هَبْكَ لم تهبْ ليَ من سَعيك حظاً كسائر البُخلاءِ
٢٥
أَفَلا كان منك ردٌّ جميلٌفيه للنّفس راحةٌ من عَناءِ
٢٦
أجَزاءُ الصَّديق إيطاؤُهُ العِشوة حتَى يظلّ كالعشْواءِ
٢٧
تاركاً سعْيَه اتِّكالاً على سَعْيكَ دون الصِّحاب والشُّفعاءِ
٢٨
كالَّذي غرَّه السَّراب بما خييَل حتَّى هراق ما في السِّقاءِ
٢٩
يا أبا القاسم الذي كنت أرجوه لدهْري قَطَعْتَ مَتْن الرَّجاءِ
٣٠
بِكرُ حاجاتِ من يعُدُّك للشِددَةِ طوراً وتارةً للرَّخاءِ
٣١
نمتَ عنها وما لمثلك عُذْرٌعند ذي نُهيةٍ على الإغفاءِ
٣٢
قَسَماً لو سألتُ أخرى عَواناًلتَنمَّرْتَ لي مَعَ الأعداءِ
٣٣
لا أجازيك من غروركَ إيايَ غروراً وُقِّيت سُوء الجزاءِ
٣٤
بل أَرى صِدْقك الحديثَ وما ذاك لبخلٍ عليك بالإغضاءِ
٣٥
أنتَ عيني وليس من حق عَينيغَضُّ أَجفانها على الأقْذاءِ
٣٦
ما بِأمثالِ ما أتيت من الأمر يَحُلُّ الفتى ذُرا الْعلْياء
٣٧
لا ولا يكْسب المحامِد في الناس ولا يشتري جميلَ الثناءِ
٣٨
ليس من حلَّ بالمحلِّ الذي أنت به من سماحةٍ ووفاءِ
٣٩
بَذَلَ الوعْدَ للأخلَّاءِ سَمْحاًوأبى بعد ذاك بذلَ العطاءِ
٤٠
فَغَدا كالْخلافِ يُورقُ للعين ويأبى الإثمار كل الإباءِ
٤١
ليس يرضى الصديقُ منك ببشرتحت مَخْبوره دَفينُ جَفاءِ
٤٢
يا أخي يا أخا الدَّماثة والرققَة والظَّرف والحِجا والدهاءِ
٤٣
أتُرى الضَّربة التي هي غيبٌخُلْفَ خمسين ضربةً في وَحَاءِ
٤٤
ثاقِب الرأي نافذ الفكر فيهاغير ذي فَتْرة ولا إبْطاءِ
٤٥
وتُلاقيك شيعةٌ فيظلّون على ظهر آلةٍ حَدْباءِ
٤٦
تَهزمُ الجمع أوحديّاً وتُلْويبالصَّناديد أيَّما إلواءِ
٤٧
وَتحُطُّ الرِّخَاخَ بعد الفَرازين فتزداد شدةَ استعلاءِ
٤٨
رُبَّما هالني وحيَّر عقلِيأخْذُكَ اللّاعبين بالبأساءِ
٤٩
ورضاهم هناك بالنِّصف والرُّبع وأَدْنى رضاكَ في الإِرباءِ
٥٠
واحتراسُ الدُهاة منك وإعصافُكَ بالأقوياءِ والضعفاءِ
٥١
عن تدابيرك اللِّطاف اللَّواتيهُنَّ أخفى من مُستسرِّ الهباءِ
٥٢
بل من السِّر في ضمير مُحبٍّأدَّبتْهُ عقوبةُ الإفْشاءِ
٥٣
فإخالُ الذي تُديرُ على القوم حُروباً دوائرَ الأرحاءِ
٥٤
وأظُنُّ افتراسَك القِرْنَ فالقرن منايا وشيكةَ الإرداءِ
٥٥
وأرى أنّ رقعةَ الأَدَمِ الأحْمر أرْضٌ عَلَّلتها بدماءِ
٥٦
غلطَ الناسُ لست تلعب بالشِّطرنج لكن بأنفُس اللُّعباءِ
٥٧
أنت جِدِّيها وغيرك من يلعب إن الرِّجال غيرُ النِّساءِ
٥٨
لك مكرٌ يدبُّ في القوم أخفىمن دبيب الغذاء في الأعضاءِ
٥٩
أو دبيب المَلالِ في مُسْتهامَيْن إلى غاية من البغضاءِ
٦٠
أو مَسيرِ القضاء في ظُلمِ الغيب إلى من يُريده بالتَّواءِ
٦١
أو سُرى الشيب تحت ليل شبابمُستحير في لِمِّة سَحماءِ
٦٢
دبَّ فيها لها ومنها إليهافاكْتَسَتْ لون رثَّة شَمْطاءِ
٦٣
تَقْتُلُ الشَّاه حيث شِئت من الرُّقعة طَبَّا بالقِتْلة النّكراءِ
٦٤
غير ما ناظرٍ بعيْنك في الدَّستِ ولا مقبلٍ على الرُّسلاءِ
٦٥
بل تراها وأنتَ مُستدبرُ الظَّهر بقلبٍ مُصوَّرٍ من ذكاءِ
٦٦
ما رأينا سِواك قِرْناً يُولِّيوهو يُرْدي فوارس الْهيجاءِ
٦٧
رُبَّ قَوْم رأوْكَ رِيعُوا فقالواهل تكونُ العيون في الأقفاءِ
٦٨
والفُؤادُ الذكيُّ للمطرق المُعرِضِ عينٌ يَرى بها من وراءِ
٦٩
تقرأ الدَّستَ ظاهراً فتُؤديه جميعاً كأحْفظ القُرّاءِ
٧٠
وتُلَقَّى الصوابَ فيما سوى ذاك إذا جار جائرُ الآراءِ
٧١
فترى أن بُلغةً معها الرَّاحةُ خيرٌ من ثَروةٍ وشقاءِ
٧٢
رؤيةٌ لا خلاج فيها ولولاذاك لم تأبَ صحبة ابنِ بُغاءِ
٧٣
وهو موسى وصاحبُ السيف والجيش ورُكْنُ الخِلافة الغلباءِ
٧٤
بعتَه واشتريت عيشاً هنيئاًرابح البيع كيَّساً في الشراءِ
٧٥
وقديماً رغْبتَ عن كل مَصْحوبٍ من المُتْرفينَ والأمراءِ
٧٦
ورَفَضْتَ التجارةَ الجمَّة الرِّبحِ وما في مِراسها من جَداءِ
٧٧
وهَذَى العاذلُونَ من جهة الرِّبحِ فخلَّيتهم وطولَ الهُذاءِ
٧٨
أعْرَضَتْ عنهُمُ عَزَائمُك الصُممُ بأُذنٍ سميعة صمّاءِ
٧٩
حين لم تكْترثْ لقول أخي غِششٍ يُرى أنه من النُّصحاءِ
٨٠
وإذا صحَّ رأيُ ذي الرأي لم تنظر بعيني مَشُورةٍ عَوْراءِ
٨١
لمْ تبعْ طيب عيشةٍ بفضولٍدُوَنها خبثُ عيشةٍ كدْراءِ
٨٢
تعبُ النَّفس والمهانةُ والذللَةُ والخوفُ واطِّراحُ الحياءِ
٨٣
بل أطعتَ النُّهى فَفُزت بحظٍّقَصُرتْ عنه فِطنةُ الأغْبياءِ
٨٤
راحةُ النفس والصِّيانةُ والعففَةُ والأمنُ في حياء رَواءِ
٨٥
عالماً بالذي أخذتَ وأعطيتَ حكيماً في الأخذ والإعْطاءِ
٨٦
جَهبَذَ العَقل لا يفوتك شيءٌمِثلُهُ فاتَ أعينَ البُصَراءِ
٨٧
غيرَ مُستنزِلٍ عن الوضَح الأطلس بالزائف الصبيح الرُّواءِ
٨٨
قائلاً للمشيرِ بالكدحِ مهلاًما اجتهادُ اللَّبيبِ بعد اكتفاءِ
٨٩
قرّبَ الحِرْصُ مركباً لشقيّإنما الحرصُ مركبُ الأشقياءِ
٩٠
مرحباً بالكفافِ يأتي هنيئاًوعلى المُتعِبات ذيلُ العفاءِ
٩١
ضَلةً لامرئٍ يُشمِّرُ في الجمع لعيش مُشَمِّرٍ للفناءِ
٩٢
دائباً يكنز القناطير للوارِث والعُمرُ دائباً لانقضاءِ
٩٣
حبذا كثرةُ القناطير لو كانت لربِّ الكنوزِ كنزَ بقاءِ
٩٤
يَغْتدي يَرْحم الأسيرُ أسيراًجاهلاً أنه من الأُسَراءِ
٩٥
لا إلى الله يذهب الحائرُ البائرُ جهلاً ولا إلى السراءِ
٩٦
يَحسَبُ الحظَّ كله في يديهوهو منه على مدى الجَوزاءِ
٩٧
ليس في آجلِ النَّعيم له حظظٌ وما ذاقَ عاجلَ النَّعماءِ
٩٨
ذلك الخائبُ الشقي وإن كان يُرى أنّهُ من السُّعداءِ
٩٩
حَسْبُ ذي إرْبةٍ ورأيٍ جَليٍّنَظَرتْ عينه بلا غُلواءِ
١٠٠
صحةُ الدينِ والجوارح والعرْضِ وإحرازُ مُسكة الحوباءِ
١٠١
تلك خيرٌ لعارِف الخير ممايجمعُ الناسُ من فضولِ الثراءِ
١٠٢
ولها من ذَوي الأصالة عُشَّاقٌ وليسوا بتابِعي الأهواءِ
١٠٣
ليس للمكثر المُنغَّص عيشٌإنما عيشُ عائشٍ بالهَنَاءِ
١٠٤
يا أبا القاسم الذي ليس يخفَىعنه مكنُونُ خُطَّةٍ عَوْصاءِ
١٠٥
أتَرَى كل ما ذكرتُ جليّاًوسواهُ من غامض الأنحاءِ
١٠٦
ثم يَخْفَى عليك أنّي صديقٌرُبَّما عزَّ مِثلُه بالغَلاءِ
١٠٧
لا لَعَمرُ الإله لكن تعاشيتَ بصيراً في ليلةٍ قَمراءِ
١٠٨
بل تعامَيْتَ غير أعمى عن الحققِ نهاراً في ضَحوةٍ غرّاءِ
١٠٩
ظالماً لي مع الزمانِ الذي ابتَززَ حقوقَ الكرام للُّؤماءِ
١١٠
ثَقُلتْ حاجتي عليك فأضحتْوهي عبءٌ من فادحِ الأعباءِ
١١١
ولها محمِلٌ خفيفٌ ولكنكان حظّي لديك دونَ اللَّفاءِ
١١٢
كان مقدارُ حُرمتي بك في نفسك شيئاً من تافِه الأشياءِ
١١٣
فتَوانَيْت والتواني وَطيءُ الظَهرِ لكنَّه ذَميمُ الوِطاءِ
١١٤
كنت ممن يرى التشيُّعَ لكنْمِلتَ في حاجتي إلى الإرْجاءِ
١١٥
ولعَمْرِي لقد سعيتَ ولكننَك عذّرت بعد طول التواءِ
١١٦
فتَنزَّه عن الرياء فتعذيرُك في السعيِ شُعبةٌ من رِياءِ
١١٧
ليس يُجدي عليك في طلب الحاجاتِ إلا ذو نيةٍ ومضَاءِ
١١٨
ظلمت حاجتي فلاذتْ بحقْوَيْك فأسلمتها بكف القضاءَ
١١٩
وقضاءُ الإله أَحوط للناس من الأمهات والآباءِ
١٢٠
غير أن اليقين أضحى مريضاًمرضاً باطِناَ شديدَ الخفاءِ
١٢١
ما وجدتُ امْرَأً يرى أنه يوقِن إلّا وفيه شَوْبُ امْتِراءِ
١٢٢
لو يصحُّ اليقينُ ما رَغِبَ الراغبُ إلّا إلى مَليكِ السماءِ
١٢٣
وعَسيرٌ بلوغُ هاتِيكَ جداًتلك عُليا مَراتِب الأنبياءِ
١٢٤
كنتُ مستوحشاً فأظهرتَ بَخساًزادني وحشةً من الخلطاءِ
١٢٥
وعزيزٌ عليَّ عَضِّيكَ باللوم ولكنْ أصبتَ صدري بداءِ
١٢٦
أنت أدْوَيتَ صدر خِلِّك فاعذرهُ على النَّفثِ إنه كالدواءِ
١٢٧
لا تلومنَّ لائماً وضع اللَّوماءَ في كُنه موضع اللَّوماءِ
١٢٨
إنْ تكن نفحةٌ أصابتك من عَذلي فعمّا قدحتَ في الأحشاءِ
١٢٩
يا أبا بكرٍ المُشارَ إليهبانقطاعِ القَرين في الأُدباءِ
١٣٠
قد جعلناك حاكماً فاقض بالحققِ وما زلتَ حاكم الظرفاءِ
١٣١
تأخذ الحقَّ للمُحقِّ وتنهىعن ركوب العَداء أهلَ العداءِ
١٣٢
ليس يؤتى الخَصمانِ من جَنَفٍ فيك ولا من جهالةٍ وغباءِ
١٣٣
هل ترى ما أتى أخوكَ أبو القاسم في حاجتي بعينِ ارتضاءِ
١٣٤
لي حقوقٌ عليه أصبح يلْويها فَطالِبْهُ لي بوشْك الأداءِ
١٣٥
لست أعتدُّ لي عليه يداً بيضاءَ غير المودة البيضاءِ
١٣٦
تلك أو أنني أخٌ لو دعاهلمُهمٍّ أجاب أُولى الدعاءِ
١٣٧
يتقاضى صديقَهُ مثل ما يبذل من ذات نفسه بالسواءِ
١٣٨
وأُناديك عائذاً يا أبا القاسم أفديك يا عزيزَ الفداءِ
١٣٩
قد قضينا لُبانةً من عتابوجميلٌ تَعاتُبُ الأكفاءِ
١٤٠
ومعَ العَتْب والعتابِ فإنيحاضرُ الصفح واسعُ الإعفاءِ
١٤١
ولك الوُدُّ كالذي كان من خِللك والصدرُ غيرُ ذي الشّحناءِ
١٤٢
ولك العذر مثل قافيتي فيك اتساعاً فإنها كالفضاءِ
١٤٣
وتأمّلْ فإنها ألِفُ المددِ لها مَدّةٌ بغيرِ انتهاءِ
١٤٤
والذي أطلق اللسان فعاتَبْتُك عَدِّيكَ أوَّلَ الفُهماءِ
١٤٥
لم أخفْ منك غلطةً حين عاتبتُك تدعو العتابَ باسم الهجاءِ
١٤٦
وأنا المرءُ لا أسومُ عتابيصاحباً غيرَ صَفوةِ الأصفياءِ
١٤٧
ذا الحِجا منهُمُ وذا الحِلمِ والعلمِ وجهلٌ ملامةُ الجُهَلاءِ
١٤٨
إن من لام جاهلاً لَطَبيبٌيتعاطى علاج داءٍ عياءِ
١٤٩
لستُ ممّن يظلُّ يربَع باللوْمِ على منزلٍ خلاءٍ قَواءِ
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.