الشعر الفصيح والنبطي
وكلمات الأغاني

أَتَدْرِي العُلاَ مَنْ شَيَّعتْ حينَ شَيَّعوا

علي الجارمالعصر الحديث · توفي ١٬٩٤٩م · ١٤٠ قصيدة
٥ قراءة
١
أَتَدْرِي العُلاَ مَنْ شَيَّعتْ حينَ شَيَّعواومَنْ ودَّعتْ يومَ الرَّحِيلِ وَوَدَّعُوا
٢
بَكَيْنا فَلَمْ يَشْفِ البُكَا حُرْقَةَ النَّوَىوَلكِن إذا ضَاق الفَتَى كَيْف يَصْنَعُ
٣
تَهِيجُ بنا الذِّكْرَى فَيغْلِبُنا الأَسَىوتدرِكنا رُحْمَى الإِلهِ فنَخْضَع
٤
هو المَوْتُ سَهْمٌ في يَدِ اللّه قَوْسُهُفَلا الحزْمُ يَثْنِيه ولا الكَفُّ تَدْفَع
٥
نَرُوحُ إِلى حاجَاتِا وَهْوَ راصِدٌوننثرُ من آمالِنا وهو يَجْمَعُ
٦
بِنَفْسي أميناً في ثِيابِ شَبابِهيَطِير به الأمْسُ الذي لَيْسَ يَرْجعُ
٧
أقام كمَا تبْقَى الأَزَاهِيرُ لَمْحةًوزَالَ كما زَال الْخَيالُ المَودِّع
٨
فَقَدْناهُ فِقدانَ الكَمِيِّ سلاحَهوما بين قِيدِ الرمحِ والرمحِ إِصْبع
٩
فقدناه حتى قد فقدنا وجودَنافهل بَقِيَتْ إلاّ جُفونٌ وأدمع
١٠
فقدناه فِقْدانَ الأليفِ أليفَهيصيحُ به في كل روضٍ ويسجَع
١١
يسائلُ عنه الأفقَ والطيرُ حُوَّمٌويستخبرُ الأمواهَ والطيرُ شُرَّعُ
١٢
يَدِفُّ فيحوي الأرضَ منه تأملٌويعلو فيعلو النجمَ منه تطلُّع
١٣
يظنُّ حفيفَ الدوحِ خَفْقَ جَناحِهإذا همستْ منه غصونٌ وأفْرعُ
١٤
ويحسَبُ تَحنانَ الغديرِ هَديلَهفيحبِسُ من زَفْراتِهِ ثم يَسْمع
١٥
لقد ملَّتِ الغاباتُ مما يجوسُهاوملَّ صِماخُ الليلِ ممّا يُرَجِّع
١٦
له أنَّةُ المجروحِ أعيا طبيبَهوضجَّ لما يشكو وسادٌ ومَضْجَع
١٧
كأنَّ جَناحَيْهِ شِراعُ سفينةٍدهتها من الأرواحِ نَكْباءُ زَعْزَع
١٨
تضاحِكُهُ الآمالُ حِيناً فيرتجيويَجْبَهُهُ اليأسُ العبوسُ فيخشَع
١٩
لدَى كلِّ عُشٍّ صاحباه وعُشُّهخليُّ من الأُلاَّفِ فَقْرٌ مُصَدَّع
٢٠
عَزاءً عزاءً أيها الطيرُ إِنمالكل امرىءٍ في ساحةِ العمرِ مَصْرَعُ
٢١
فأَين من الطيرِ الهديلُ وَوُلْدُهُوأين من الأملاكِ كِسْرَى وتُبَّعُ
٢٢
طواهم خِضَمُّ لا يُنادَى وليدُهيطوِّحُهم آذِيُّهُ المتدفِّع
٢٣
رمتني الليالي قبلَ نَعْيكَ رَمْيَةًعرَفتُ بها كيف القلوبُ تَقَطَّع
٢٤
نِصالٌ حِدادٌ قد ألِمْتُ لحَمْلِهاوأعْلَمُ أني هالكٌ حين تُنْزَع
٢٥
فلما رماني سهمُك اليومَ وانطوتْعليه جُنوبٌ خافقاتٌ وأضْلع
٢٦
أَمِنْتُ على قلبي السهامَ فلم يَعُدْبه بعد خطبِ الأمسِ واليومِ مَوْضِع
٢٧
أأنسَى أميناً والشبابُ يَحُفُنَّاجديداً وروضُ الوُدِّ بالوُدِّ مُمرِعُ
٢٨
بأرضٍ إذا غَصَّ النَّهارُ بِغَيْمِهافوجهُ أمينٍ أينما لاح يَسطَع
٢٩
نَسِيتُ به أهلي ويا رُبُّ صاحبٍأبرُّ من ابن الأم قلباً وأنفع
٣٠
يغالبني شوقٌ إلى الفنِّ رائعٌويجذِبُه مَيْلٌ إِلى العِلم أرْوَع
٣١
نروحُ ونغدو لاهِيَيْنِ ولم نكننخاف رزايا الدهرِ أو نتوقَّع
٣٢
ونضحَكُ للدنيا اللعوبِ وزُورِهاونمرَحُ في زَهْوِ الشباب ونرتَع
٣٣
وكنا نرَى الأيامَ أحلامَ نائمٍفأيقظنا منها الأليمُ المُرَوِّع
٣٤
وكانت غِناءً كلُّها ثم أصبحتوليس بها إلاَّ الرثاءُ المفَجِّع
٣٥
أتذكرُ إذ نمشي إلى الدرسِ بُكْرَةًبِنُوتِنْجِهامٍ تستحِثُّ فأُسرع
٣٦
وقد حجب الشمسَ الضبابُ كأنَّماتلا الليلَ ليلٌ عاكرُ اللونِ أسْفَعُ
٣٧
بلادٌ كأنَّ الشمسَ ماتت بأُفْقِهافظلّتْ عليها أعينُ السُّحْبِ تَدمَع
٣٨
كأنَّ المصابيحَ الخوافقَ حَوْلَناسيوفُ وَغىً في ظلمةِ النَّقْعِ تلمَع
٣٩
كأنَّ بياضَ الثلجِ يُنْثَرُ فوقَناصحيفتُك البيضاءُ بل هي أنصع
٤٠
تُناقِلني حُلْوَ الحديث كأنَّهوقد رقَّ معناه الرحيقُ المُشَعْشَع
٤١
خِلالٌ كريماتٌ أرق من الصباوأنضرُ من وَشْيِ الرياضِ وأضْوع
٤٢
وَلِعْتُ بها عُمْري وأكْبَرْتُ ربهاوإني بأخلاقِ الكرامِ لمُولَع
٤٣
وقد كنتَ عفَّ النفسِ واللفظِ والنُّهىفلا الرأْيُ مأفونٌ ولا القولُ مُقْذِع
٤٤
تكُدُّ كما كدَّ النِمالُن وترتويزُلالاً من العلم الصحيح وتَكْرَعُ
٤٥
فتىً طَلب الدُّنيا كَرِيماً فنَالَهاولَيْس له فيها سِوَى المجْدِ مَطْمَعُ
٤٦
وسَعْيث كَبِيرِ النَّفْسِ مُكْبِرٌوسَعْيُ صَغيرِ النَّفْسِ مُخضِع
٤٧
وأعْظَمُ أَخْلاقِ الفَتَى هِمَّةُ الفَتَىوعَزْمٌ حَدِيدُ النَّصل لا يَتَزَعْزَع
٤٨
إذَا وَفَّقَ اللّهُ امْرأً في طِلاَبِهدَنَا الصَّعْبُ وانْقَاد العَسِير المُمَنَّع
٤٩
قَنِعْنا بما دُونَ القَليلِ ولَمْ تَكُنْبِغَيْرِ جَلِيلاتَ المَطَالب تَقْنَع
٥٠
وعُدْتَ وفي يُمْنَاكَ أَسْمَى شَهادةٍوأَشْرَفُ عُنْوانٍ لمِصْرَ وأَرْفَع
٥١
رَسمتَ لشُبَّانِ البِلاَدِ طَرِيقَهمْفأَبْدَعْتَ فيما قَدْ رَسَمْت وأَبْدَعُوا
٥٢
ومَنْ طَلَب المَجْدَ المَنِيعَ فَما لهسِوَى سِيرَةِ الأَبْطَالِ في النَّاس مَهْيَعُ
٥٣
وقد كُنْتَ في كُلِّ المَناصِبِ سَيِّداًتَزِينُك في الدُّنْيا خَلاَئِقُ أَرْبَع
٥٤
فَحْزمٌ كما ترْضى العُلاَ وتواضُعٌوعَزْمٌ كما تَرْضَى العُلا وترَفُّعُ
٥٥
لَكَ البسْمَةُ الزَّهْرَاءُ تَلْمَعُ كالضُّحَىوتُدْفىء مِنْ قَلْبِ الجَبَانِ فيَشْجُع
٥٦
حَرِيصٌ على وُدِّ الصَّدِيق كأَنَّمامَودَتُه العَهْدُ الذي لا يُضَيَّع
٥٧
إِذا قَرأَ الأَوْرَاقَ للرَّأْيِ فاتَّئِدْفقَدْ قَرَأ الأَوْرَاقَ للرَّأْيِ أَلْمع
٥٨
وإن صَدَعَتْ بالحُكْم يوماً شِفَاهُهُفلَيْس بغَيْرِ الْحَقِّ والعَدْلِ تَصْدَع
٥٩
عَجِبْتُ لصَدْرٍ ضَاقَ بالدَّاءِ حِلْمُهوأَرْجَاؤُه مِنْ شَاسِع البِيد أَوْسَعُ
٦٠
مَرِضْت فقُلنْا مَشْرِفيُّ بِغمْدهتَوارَى ونَجْمٌ عَنْ قَلِيلٍ سيَطْلُع
٦١
ولَمْ نَدْرِ أَنَّ المَوْتَ باسِطُ كَفِّهإلى الغُصْنِ في رَيْعَانِه وهو مُونِع
٦٢
وأَنّ النَّوَى الْحَمْقَاءَ شَدَّتْ رِحَالَهاوأَنّ أَمِينَ الرَّكْبِ للبَيْن مُزْمِعُ
٦٣
وأَنَّ المَعَالِي والمَكَارِمَ والحِجَاسيَضْمنَها قَفْرٌ من الأَرْضِ بَلْقَع
٦٤
وأَنَّ قَضَاء اللّهِ حُمَّ فمَا لَنَامَحِيصٌ ولا مِمَّا قَضَى اللّهُ مَفْزَع
٦٥
إِذا بَرَعَ الطِّبُّ الحَدِيثُ فَقُلْ لَهُيَدُ المَوْتِ أَمْضَى مِنْ يَدَيْك وأَبْرَع
٦٦
وإنّ الفَتَى ماضٍ وماضٍ طَبيبُهوعائدُه مِنْ بَعْدِه والمُشَيِّع
٦٧
أَمِينُ وظِلُّ المَوْتِ يَفْصِلُ بيْننَاسَبَقْتَ وإِنِّي عَنْ قَلِيلٍ سأَتْبع
٦٨
ونَرْجع للْحُسْنَى كَمَا كَانَ عَهْدُنافَلاَ نَشْتَكِي هَمّاً ولا نَتَوجَّع
٦٩
وما مَاتَ مَنْ أَبْقى ثَنَاءً مُخلَّداًوذِكْراً يُسَامِي النَّيِّراتِ وَيفْرَع
٧٠
إِذا ذَهَب المِسْكُ الذَّكِيّ فإِنّهيَزُول وَيبْقَى نَشْرُه المُتَضَوِّع

المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.

عن علي الجارم

من رشيد في دلتا مصر خرج علي الجارم، فتلقى تعليمه الأول فيها ثم أكمله بالقاهرة قبل أن يرحل إلى إنكلترا. عاد إلى وطنه وقد امتزج وجدانه بحب مصر، فانخرط في العمل التربوي حتى صار كبير مفتشي اللغة العربية ووكيلًا لدار العلوم، ثم اختير عضوًا في مجمع اللغة العربية وشارك في مؤتمرات علمية وثقافية. جمع إلى جانب الشعر كتابة النثر، فله ديوان في أربعة أجزاء ومؤلفات منها فارس بني حمدان وشاعر وملك وغارة الرشيد.

قصائد أخرى لـعلي الجارم الكل

على البحر والقافية نفسيهما

أبلغ عن خطأ في القصيدة