١
سموتُ مستقبلًا وجهك الكريم فقالت لي الطبيعة: سِرْ في طريقك، ما أنبه شأنك! إنه رآك …لامرتين
٢
لا تفزعي يا أرضُ: لا تفرَقيمن شَبَحٍ تحت الدُّجى عابرِ
٣
ما هوَ إلَّا آدميٌّ شقِيسمَّوْهُ بين الناسِ بالشاعرِ
٤
حنانَكِ الآن فلا تُنكرِيسبيلَهُ في ليلكِ العابسِ
٥
ولا تُضلِّيهِ، ولا تنْفرِيمن ذلك المستصرخ البائسِ
٦
مُدِّي لعينيهِ الرِّحابَ الفِساحْورقرقي الأضواءَ في جفنهِ
٧
وأمسكي، يا أرضُ، عصْفَ الرياحْوالرَّاعدَ المنصبَّ في أذنهِ
٨
أتسمعينَ الآن في صوتِهِتَهَدُّجَ الأنَّاتِ من قلبه؟
٩
وتقرأينَ الآنَ في صمتِهِتَمَرُّدَ الرُّوحِ على ربهِ؟
١٠
في وقفةِ الذَّاهلِ ألقى عصاهْمُوَلِّيَ الجبهةِ شطرَ الفضاءْ
١١
كأنما يَرْقَى الدجى ناظراهْليستَشِفَّا ما وراءَ السماءْ
١٢
يَسقُطُ ضوءُ البرقِ في لمحهِعلى جبينٍ باردٍ شاحِبِ
١٣
ويستثيرُ البردُ في لفحهِنارًا تَلظَّى من فمٍ ناضبِ
١٤
أنت لهُ، يا أرضُ، أمٌّ رءومْفأشْهدِي الكونَ على شقْوَتِهْ
١٥
وردِّدي شكواهُ بين النجومْفهوَ ابنُكِ الإنسانُ في حيرتهْ
١٦
ما هوَ إلَّا صوتُك المرسلُوروحُكِ المستعبَدُ المرهَقُ
١٧
قد آدَهُ الدهرُ بما يحملُفجاءَ عن آلامهِ ينطقُ؟
١٨
طغَى الأسى الدَّاوي على صوتهِيا للصَّدى من قلبهِ النَّاطقِ
١٩
مضى يبثُّ الدهرَ في خفْقهِشكايةَ الخلقِ إلى الخالقِ
٢٠
لا تَعْدُني يا ربِّ في محنتيما أنا إلَّا آدميٌّ شقِي
٢١
طَرَدْتَني بالأمسِ من جنتيفاغفرْ لهذا الغاضبِ المحنَقِ
٢٢
حنانكَ اللهمَّ، لا تغضبِأنتَ الجميلُ الصفحِ، جمُّ الحنانْ
٢٣
ما كنتُ في شكوايَ بالمذنبِومنكَ، يا ربِّ، أخذتُ الأمانْ
٢٤
ما أنا بالزاري ولا الحاقدِلكنني الشَّاكي شقاءَ البشَرْ
٢٥
أفنيتُ عمري في الأسَى الخالدِفجئتُ أستوحيكَ لطفَ القدرْ
٢٦
تمرَّدتْ روحي على هيكليوهيكلُ الجسمِ كما تعلمُ
٢٧
ذاك الضعيفُ الرأيِ لم يفعلِإلَّا بما يوحي إليه الدَّمُ!
٢٨
يَعْرُقُ حدُّ السيفِ من لحمهِويحطمُ الصَّفوانُ بنيانَهُ
٢٩
وينخرُ الجرثومُ في عظمهِومنهُ يُنْمي القبرُ ديدانَهُ!
٣٠
ما هوَ إلَّا كومةٌ من هباءْتمحقهُ اللمسةُ من غضبتِكْ
٣١
فكيف يثني الروحُ عما تَشاءْ؟وكيف يقوى؟ وهي من قدرتكْ؟
٣٢
روحُكَ في روحي تبثُّ الحياهْنزلتُ دنيايَ على فجرِها
٣٣
فإنْ جفاها ذاتَ يومٍ سناهْلاذتْ بليلِ الموتِ في قبرِها
٣٤
وَمِثلَما قدَّرْتَ صوَّرْتَهافروحك الصوتُ وروحي الصدَى
٣٥
طبيعةٌ في الخلْق ركَّبتهاوما أرى لي في بِناها يدا!
٣٦
لكنَّما روحُكَ من جوهرِصافٍ وروحي ما صَفتْ جوهرا
٣٧
أوْ لَا؟ فما للخيرِ لمْ يُثمرِفيها؟ وما للشرِّ قد أثمرا!!
٣٨
تقولُ روحي: إنَّها مُلهَمهْفهيَ لما قَدَّرْتَه مُتْبِعهْ
٣٩
مقودةٌ، في سيرها، مُرْغَمهْوإنْ تراءَتْ حُرَّةً طيِّعهْ
٤٠
قيَّدتَها بالجسم في عالمِتَضجُّ بالشهوة فيهِ الجسومْ
٤١
كلاهما في حبِّه الآثمِلم يصْحُ من سُكراهُ وهو الملومْ
٤٢
تُبْدِي بهِ الأجسامُ سحرَ الحياهْفي معرضِ يجلو غريبَ الفنونْ
٤٣
نواعسَ الأجفانِ حُوَّ الشفاهْشديدةَ الإغراءِ شتَّى الفتونْ!
٤٤
ولم أكن أولَ مُغرًى بماأغرتْ بهِ حواءَ أو آدما
٤٥
إرثٌ تمشَّى في دمي منهماميراثه يَنتظم العالما
٤٦
فأنتَ قدَّرتَ عليَّ الشقاءْمن حيثُ قدَّرتَ عليَّ النعيمْ
٤٧
وما أرى!! هل في غدٍ لي ثواءْبالخلدِ؟ أمْ مثوايَ نارُ الجحيمْ؟
٤٨
ما أثِمَتْ روحي ولا أجرمتْولا طغى جسمي ولا استهترا
٤٩
عناصرُ الروح بما أُلهمَتْأوحت إلى الجسمِ فما قصَّرا
٥٠
كلاهما لم يَعْدُ تصويرَهُما كان إلَّا مِثلما كُوِّنا
٥١
كم حاولا بالأمسِ تغييرَهُفاستكبرَ الطبعُ، وما أذعنا
٥٢
أمنذِري أنت بيومِ الحسابْ؟ولائمي أنتَ على ما جرى؟
٥٣
رُحماك: ما يرضيكَ هذا العذابْلطيِّعٍ لم يَعْصِ ما قُدِّرَا!!
٥٤
ما كنتُ إلا مثلما رُكِّبَتْغرائزي، ما شئتَ لا ما أشاءْ
٥٥
فلتجزِها اليوم بما قدَّمتْوإن تكنْ مما جَنتهُ براءْ!
٥٦
وفيمَ تُجزَى، وهيَ لم تأثمِ؟ألستَ أنت الصائغَ الطابعا؟
٥٧
ألمْ تَسِمْها قبلُ بالميسمِ؟ألمْ تصُغْ قالبها الرائعا؟؟
٥٨
ألم تصُغْها عنصرًا عنصرًا؟من أين؟ ما علمي، وأنت العليمْ!
٥٩
جَبَلتها يومَ جبلتَ الثرىمن عالم الذرِّ ودنيا السِّديمْ
٦٠
الخيرُ والشرُّ بها توأمانْوالحبُّ والشهوةُ في طبعِها
٦١
حوَّاءُ والشيطانُ لا يبرحانْيُساقِطان السِّحرَ في سمعِها!
٦٢
تَشكَّكتْ نفسي بما تنتهيإليهِ دنياها وماذا يكونْ!
٦٣
مضتْ فما آبتْ بما تشتهيمن حيرةٍ الفكر وهجس الظنونْ!
٦٤
رأتْ أسارى في قيودٍ ثقالْبين يدَيْ ذي مِرَّةٍ يبسمونْ
٦٥
يسوقهم في فَلَواتِ الليالْفي بطشِ جَبَّارين لا يرحمونْ
٦٦
إنْ ضجَّ في الأغلالِ منهم طلِيحْأخرسهُ السوطُ الذي يُرهفُ
٦٧
وإنْ هوى للأرضِ منهمْ جريحْأنهضهُ في قيدِه يَرْسُفُ!
٦٨
يا ويحهم ما عرفوا مَوئِلَامن قسوةِ الدهر وجورِ القضاءْ
٦٩
يا أرضُ، ما كنتِ لنا منزلَاما أنتِ إلا موبقُ الأبرياءْ!!
٧٠
أفي سبيلِ العيش هذا الصراعْ؟أم في سبيلِ الخلدِ والآخره؟
٧١
وهؤلاءِ البائسونَ الجياعْتطحنهم تلك الرَّحى الدائرهْ؟؟
٧٢
ما ذنبُ هذا العالمِ الثَّائرِ؟إنْ حاولَ الإفلاتَ من آسرِهْ؟
٧٣
ما كانَ في ميلادِهِ الغَابرِأسعدَ حالًا منهُ في حاضرِهْ!!
٧٤
ما كانَ لوْ لمْ تَنْزُ آلامُهُبالماجنِ الرُّوحِ ولا الهائمِ
٧٥
ولو جَرتْ بالصفوِ أيامهُما كانَ بالزَّاري ولا الناقمِ
٧٦
رأى بعينيهِ المصيرَ الرهيبْوكيف غالَ الناسَ من قبْلهِ
٧٧
وكلَّ يومٍ للمنايا عصيبْيسوقُهمْ للموتِ من حولهِ!
٧٨
فحقَّرَ الدُّنيا وأزرى بهاوقالَ: ما لي أنكرُ الواقعا؟
٧٩
فَلْتَسْعَدِ النفسُ بأنخابهامن قَبْلِ أن تلقى الغدَ الرائعا!
٨٠
أيصبحُ الإنسانُ هذا الرميمْ؟والجيفةَ الملقاةَ نهبَ الترابْ؟
٨١
أيستحيلُ الكونُ هذا الهشيموالظلمةَ الجاثمَ فيها الخرابْ؟
٨٢
لمنْ إذًا تبدعُ تلك العقولْ؟أفي الرَّدى تدرك ما فاتَها؟؟
٨٣
أم في غدٍ تثوي بتلك الطلولْويسحقُ الدهرُ يواقيتَها؟؟
٨٤
وا أسفا للعَالَمِ البائدِليس لَه مما يرى مهربُ
٨٥
على رنينِ المنجَلِ الحاصدِمضى يُغنِّي، وهو لا يطربُ!!
٨٦
فَدَعهُ ينسى بعض ما حُمِّلامن نكد الدُّنيا وضنكِ الحياةْ
٨٧
وأوْلِهِ العطفَ الذي أمَّلافإنهُ أوْلى بعطفِ الإلهْ!
٨٨
ما هيَ إلَّا لحظاتٌ قصارْتَمُرُّ مِثْلَ الومْضِ في عينهِ
٨٩
فإن مضى الليلُ وجاءَ النهارْعاودَهُ الخالدُ من حزنهِ!
٩٠
وما أتى الغَيَّ ليعصي الإلهْيومًا، ولا كانَ بهِ مُغرَمَا
٩١
لكنْ لينسَى شقواتِ الحياهْوسرَّها المستغلقَ المبهما!
٩٢
يا للشقيِّ القلبِ كم سامهُتوهُّم النعمةِ ما لا يُطيقْ
٩٣
يُريدُ أنْ يُقنعَ أوهامهُبأنَّه ذاك الخليُّ الطليقْ
٩٤
هأنذا أرفعُ آلامَهُإلى سماءِ المنقذِ الأعظمِ
٩٥
أنا الذي تُرسلُ أنغامَهُقيثارةُ القلبِ، ونايُ الفمِ
٩٦
من عبراتي صُغتُ هذا المقالْومن لهيب الروحِ هذا القَلَمْ
٩٧
ملأتُ منهُ صفحاتِ الليالْفَضُمِّنَتْ كلَّ معاني الألمْ
٩٨
أنا الذي قدَّسْتَ أحزَانَهُالشَّاعرُ الباكي شقاءَ البشرْ
٩٩
فَجَّرْتَ بالرحمةِ ألحانَهُفاملأْ بها، يا ربِّ، قلبَ القدرْ!
١٠٠
ما الشاعرُ الفنَّانُ في كونهِإلَّا يدَ الرحمة من ربِّهِ
١٠١
مُعَزِّيَ العالمِ في حزنهِوحاملَ الآلامِ عن قلبهِ
١٠٢
عزاؤهُ شعرٌ بهِ أهزِجُفي نغمٍ مستعذَب ساحرِ
١٠٣
ما يحزنُ العالم أو يبهجُإلَّا على قيثارةِ الشاعرِ
١٠٤
يا ربِّ، ما أشقيتني في الوجودْإلَّا بقلبي: ليتَهُ لم يكنْ
١٠٥
في المثل الأعلى وحبِّ الخلودْحمَّلتهُ العبءَ الذي لم يَهُنْ
١٠٦
خلقتهُ قلبًا رقيقَ الشغافْيهيمُ بالنورِ ويهوى الجمالْ
١٠٧
حَلَتْ له النجوى ولذَّ الطوافْبعالم الحسنِ ودنيا الخيالْ
١٠٨
بعثتهُ طيرًا خفوقَ الجناحْعلى جِنانٍ ذات ظلٍّ وماءْ
١٠٩
أطلقتهُ فيها قُبَيْلَ الصباحْوقلتَ: غنِّ الأرضَ لحنَ السماءْ
١١٠
فهامَ في آفاقها الواسِعهْالنُّورُ يهفو حولَهُ والنَّدَى
١١١
مُصفِّقًا للضحوةِ الساطعةْومُنشِدًا ما شاءَ أن يُنشدَا
١١٢
إنْ جاءَ صيفٌ أو تجلَّى ربيعْحيَّاهُ منهُ عبقريُّ الغِناءْ
١١٣
وكم خريفٍ في نشيدٍ بديعْتظلُّ ترويه ليالي الشتاءْ
١١٤
قيثارةٌ تصدُر في فنِّهاعن عالم السِّحر ودنيا الخفاءْ
١١٥
على الصَّدَى الحائِرِ من لحنهايستيقظُ الفجرُ ويغفو المساءْ
١١٦
مَشتْ على الأمواجِ أنغامُهاوالأرضُ قيدَ النشوة المسكِره
١١٧
كأنَّما ترقُص أحلامُهافي ليلةٍ شرقيةٍ مُقمره!
١١٨
من قلبهِ أسلَسْتَ أوتارَهافقلبُهُ يخفقُ في كفِّهِ
١١٩
يشدو فتُملي النفسُ أسرارَهاعليهِ، فهيَ اللحنُ من عزفِه
١٢٠
ذاتَ صباحٍ طار لا يُمْهِلُوالأرضُ سكرى من عبيرِ الزهورْ
١٢١
على حصاها رنَّمَ الجدولُوفي روابيها تُغنِّي الطيورْ
١٢٢
ما كان يدري قبلَ أن ينظراما خَبَّأتْهُ النظرةُ العاجلةْ
١٢٣
ما أبدعَ الحلم الذي صوَّرالوْ لَمْ تَشُبْهُ اليقْظةُ القاتلهْ!
١٢٤
مرَّ بنهرٍ دافقٍ سلسبيلْتهفو القمارَى حوله شاديَهْ
١٢٥
في ضفتيهِ باسقاتُ النخيلْترعى الشياهُ تحتها ثاغيهْ
١٢٦
فهاجت النظرةُ مما رأىفي قلبهِ السحرَ وفي عينهِ
١٢٧
الكونُ يبدو وادعًا هانئًاكأنهُ الفردوسُ في أمنهِ
١٢٨
فظلَّ في التفكير مستغرقَامن فتنة الدنيا ومن سحرِها
١٢٩
ما كان إلَّا ريثما حدَّقاحتى جَلَتْ دنياهُ عن سرِّها
١٣٠
رأى بعينيهِ الذي لم يرَهْالذئبَ، والشاةَ، وحربَ البقاءْ
١٣١
ما عَرَفَ القتلَ ولا أبصرَهْولا رأى من قبلُ لونَ الدِّمَاءْ!
١٣٢
ما هي إلا صرخاتُ الفزعْوصيحةُ المقتولِ والقاتلِ
١٣٣
قد انقضى الأمرُ كأَنْ لمْ يقعْوضاع صوتُ الحقِّ في الباطلِ
١٣٤
وبعدَ ساعاتٍ يُوَلِّي النهارْويُقبلُ الليلُ، وما يعلمُ!!
١٣٥
سيلبثُ السرُّ وراءَ الستارْويختفي الشلوُ ويُمحى الدمُ!!
١٣٦
فرُوِّعَ الشاعرُ مما رآهُوهامَ في الأرض على وجههِ
١٣٧
أين ترى، يا أرضُ، يُلقي عصاهُ؟وأيُّ وادٍ ضلِّ في تيههِ؟
١٣٨
حتى إذا شارفَ ظلَّ الشجرْفي روضةٍ غناءَ ريَّا الأديمْ
١٣٩
قد ضَحِكت للنور فيها الزَّهَرْوصفَّقَتْ أوراقُها للنسيم
١٤٠
اختار في الظلِّ له مقعدافي ربوةٍ فاتنةٍ ساحرَهْ
١٤١
أذاب فيها الشفقُ العسجدَاوناسمتها النفحةُ العاطرهْ
١٤٢
بينا يُمَلِّي العيْنَ من سحرهاإذ أبصر الصِّلَ بها مُطرقَا
١٤٣
قد انتحى الأطيارَ في وكرِهافسامَها من نابه موبقَا
١٤٤
هل سمِعَتْ أذناك قصفَ الرعودْفي صخَب البحر وعصف الرياحْ؟
١٤٥
هل أبصرتْ عيناك ركضَ الجنودْفي فزعِ الموتِ وهولِ الكفاحْ
١٤٦
إن كنت لم تبصرْ ولم تسمعِفَقِفْ إلى ميدانها الأعظمِ
١٤٧
ما بين ميلادكَ والمصرعِما بين نابيْ ذلك الأرقمِ!!
١٤٨
جريمةُ الغدرِ وسفكِ الدمِجريمةٌ لم يخلُ منها مكانْ
١٤٩
يا لُجةً كلٌّ إليها ظميقد جاز طوفانُك شمَّ القنانْ!
١٥٠
من علَّم الوحشَ الأذى والقتالْ؟من بثَّ فيهِ الشرَّ أو ألهمهْ؟
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.