١٥١
من علَّم الثعبانَ هذا الختالْ؟والحيوانَ الغدرَ من علَّمهْ؟
١٥٢
يا أرضُ، هذا الوحيُ من عالمِكْالماءُ والطينُ به يشهدانْ
١٥٣
جنيتِ، يا أرضُ، على آدمِكْإذ سمتهِ بالأمسِ هجرَ الجنانْ!
١٥٤
يا ضلَّة الشاعر، أين النجاةْوأين، أينَ المنزلُ الآمنُ؟
١٥٥
أكلَّ وادٍ طرقته خُطاهطالعهُ منهُ الرَّدى الكامنُ؟
١٥٦
حتى إذا ضاقتْ عليهِ السُّبُلْوعزَّ في الأرض عليهِ المقامْ
١٥٧
أوى إلى كهفٍ بسفح الجبلْعساهُ يقضي ليله في سلامْ
١٥٨
ما كان إلا حُلُمًا كاذبَاأفاقَ منه مستطيرَ الجَنانْ
١٥٩
البحرُ يُرغي تحتهُ صاخبَاوالشهبُ نارٌ، والدياجي دُخَانْ
١٦٠
الأرضُ من أقطارها راجفَةْكأنما طافَ عليها المنونْ
١٦١
تضجُّ في أرجائها العاصفَةْكأنَّمَا الناسُ بها يُحشرونْ!
١٦٢
ثم استقرَّ العالمُ الثائرُوأقبلَ النورُ وولَّى الظلامْ
١٦٣
وَا عجبًا مما يرى الشاعرُكأنما أمسى بوادي الحِمامْ!
١٦٤
بدت لهُ الأرضُ كقبرٍ عفاإلَّا بقايا رمَّة أو حجرْ
١٦٥
قد أصبحَ القاعُ بها صَفْصَفَافما عليها من حياةٍ أثرْ
١٦٦
مَرَرتُ بالبُلدانِ مُستعبرَاأبكي الحضاراتِ وأرثي الفنونْ
١٦٧
أنقاضُها تملأ وجه الثرىوكُنَّ بالأمس مثارَ الفتونْ!
١٦٨
أتى على اليابسِ والأخضرِالموجُ، والنوءُ، سيلُ الحُمَمْ
١٦٩
يا رحمةَ اللهِ اهبطي وانظريما حصدَ الموتُ ودكَّ العَدَمْ!!
١٧٠
أيستحقُّ الناسُ هذا العقابْ؟أم حانتِ الساعةُ من نقمتكْ؟
١٧١
ما احتملوا، يا ربِّ، هذا العذابْإلا رجاءَ الغوثِ من رحمتكْ؟
١٧٢
أما ترى منفرجاتِ الشفاهْعن آخر الصيحات من رعبها؟
١٧٣
ما زال فيها من معاني الحياةإيماءَةُ الشكوى إلى ربها!
١٧٤
وهذه الأعينُ نهبَ العفاءْفي رقدةِ الموت كأنْ لم تَنَمْ
١٧٥
مُحدِّقاتٍ في نواحي السماءْتُشهدها هذا الأسى والألمْ!
١٧٦
وهذه الأيدي تحوطُ الصدورْكأنها في مَوقفٍ للصَّلاهْ
١٧٧
لم تَنْسَ في نزْع الحياةِ الغرورْضراعةً ترسُمها للإِلهْ!
١٧٨
ما عَرفوا في صَعقاتِ الردىإلَّاكَ من غوثٍ ومن منجدِ
١٧٩
ولا سرى في الأرض منهم صدىإلا ودوَّى باسمِكَ الأمجدِ!
١٨٠
أعبرةً تذكرها كلَّ حينْللعالم الذَّاكرِ إمَّا نَسِي؟
١٨١
أمْ ضرباتٍ قاسياتٍ تُلينْبهنَّ قلبَ الفظِّ والأشرسِ؟
١٨٢
أم موجةُ الطهرِ التي تَغْسلُمآثمَ الكونِ وتمحو أذاهْ
١٨٣
يا ربِّ ضِقنا بالذي نحملُفحسبُنا آلامُنا في الحياهْ!!
١٨٤
ألمْ تُطهِّرْ ذلك العالمامن كل عاصٍ أو غوِيٍّ جموحْ؟
١٨٥
ما غادر الموجُ به قائمَايوم اجتوى الأعلامَ طوفانُ نوحْ!
١٨٦
إذًا فما للناس ضلُّوا الهدى؟وأخطئوا اليوم سبيلَ الرشادْ؟
١٨٧
لعلَّ نوحًا أخطأ المقصدافأغرقَ الخير ونجَّى الفسادْ!!
١٨٨
يا ليتَهُ لمَّا دعا بابنهِوحالتِ الأمواجُ أن يُسْمَعا
١٨٩
لجَّ عليهِ القلبُ في حزنِهِفلم يَرَ الجوديَّ لمَّا دعا!!
١٩٠
يا أرضُ، ولَّى عهدُ نوحٍ وزالْفمَن لكِ اليومَ بطوفانِهِ؟
١٩١
مسكينةً تطوين بحرَ الليالْقد عزَّكِ المرسى بشطآنِهِ!
١٩٢
إلامَ تطوين عُبابَ السِّنينْشوقًا إلى فردوسكِ الضائعِ؟
١٩٣
غُرِّرْتِ، يا أرضُ بما تحلُمينفاستيقظي من حُلمِكِ الخادعِ!!
١٩٤
وابقَي كما أنتِ على موجهِتُمَزِّقُ الأنواءُ منك الشراعْ
١٩٥
يقذفُكِ التيار في لُجِّهِعشواءَ لا يهديك فيهِ شعاعْ
١٩٦
سلي القداساتِ وأربابَهاضراعةً تُصغي إليها السماءْ
١٩٧
أو فاطرقي بالبثِّ أبوابَهالعلَّها ترفعُ عنكِ الشقاءْ!
١٩٨
يا أيها الغادونَ والرائحونْفي شعبِ الأرضِ وليل الهمومْ
١٩٩
تُمسون أشتاتًا كما تصبحونْوالشمس حيرى فوقكم والنجومْ!
٢٠٠
مُدُّوا لها الأيدي وولُّوا الجباهْوأرسلوها صيحةً واحدهْ
٢٠١
قولوا لها: يا من شهدتِ الحياهْمن أينَ تلك النظرةُ الجامدهْ؟
٢٠٢
من أينَ تلك النظرةُ الهادئهْ؟والقسماتُ المشرقاتُ الجبينْ؟
٢٠٣
هل أنتِ من آلامنا هازئِهْ؟أم أنتِ، يا أعينُ لا تُبصرينْ؟!
٢٠٤
أم هكَذا أوحى إليكِ القضاءْفما عرفتِ الحزنَ والأدمعَا؟
٢٠٥
يا أيُّها الناس اضرعوا للسماءْقد آن أن تُصغي وأن تشْفعا!
٢٠٦
هاتوا الأزاهيرَ وهاتوا الغصونْوكلَّ ما يحلو وما يجملُ
٢٠٧
قد آن أن تُفْضوا بما تشعرونْفأشعلوا النارَ بها أشْعِلوا!!
٢٠٨
أو فاملئوا من زهرها اليانعِمجامرَ النارِ وألقوا البخورْ
٢٠٩
وصعِّدوا في ذِلَّةِ الضارعِأنفاسكم نشْوَى بتلك العطورْ
٢١٠
أحببْ بها من أنَّةٍ عاطرهْفي مسمعِ الأفلاكِ إذ تصعدُ
٢١١
أصداؤُها الرفَّافةُ الحائرَهْفي وجهها الآفاقُ لا توصدُ!!
٢١٢
يا أرضُ ناديتُ فلم تسمعيأنكرت صوتي وهو من قلبكِ
٢١٣
لا تفرَقي مني، ولا تَفزعيمن شاعرٍ شاكٍ إلى ربِّكِ
٢١٤
أيَّتُها المحزونةُ الباكيَهْلا تيأسي من رحمةِ المُنْقِذِ
٢١٥
لعلَّ من آلامكِ الطاغيَهْإذا دعوتِ الله من منفَذِ!
٢١٦
فابتهلي للهِ، واستغفِرِيوكفِّري عنكِ بنار الألمْ
٢١٧
وقدِّمي التوبةَ، واستمطريبين يَدَيْه عبراتِ الندمْ!!
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.