١
سرى القمرُ الوضَّاحُ بين الكواكبِيُفكِّرُ فيما تحتهُ من غياهبِ
٢
فناداهُ من وادي الخلِّيينَ هاتفٌبصوتِ محبٍّ في الحياةِ مُقاربِ
٣
يقول له يا روعةَ الحسنِ والصِّباوأجملَ أحلامِ الليالي الكواعبِ
٤
أنا العاشقُ الوافي إذا جنَّني الدَّجىوراعيكَ بين النيِّراتِ الثواقبِ
٥
ألا ليتني حُرٌّ كضوئِكَ أرتقيعوالمَكَ الملأى بشتى العجائبِ
٦
ويا ليتَ لي كنزَ ابتساماتِكَ التيتُبعثرها في الكونِ من غير حاسِبِ
٧
فأصغى إليهِ الضوءَ في صفوِ جذلانِوأضفى على الوادي شعاعَ حنانِ
٨
وجاسَ خلال السُّحْبِ والماءِ والثرىفلم يرَ في أنحائها وجهَ إنسانِ
٩
فصاحَ بهِ يا صاحبي ضلَّ ناظريفأين تُرى ألقاك أمْ كيف تلقاني
١٠
فأوما له إني هنا تحت شُرفتيوراءَ زجاجيها أخذتُ مكاني
١١
أبى البردُ أن أستقبلَ الليلَ قائماًوأن أنزل الوادي بحيث تراني
١٢
وحسبُ الهوى من عاشقٍ لك وامقٍتَزَوُّدُ عيني من سنا ضوئكَ الحاني
١٣
فألقى عليه الضوءُ نظرةَ حائروأعرضَ عنهُ بابتسامةِ ساخرِ
١٤
وقال له يا صاحبي قد جهلتنيويا رُبَّ شعرٍ ساقهُ غيرُ شاعرِ
١٥
أنا الموثَقُ المكدودُ طالتْ طريقهُطريقُ أسيرٍ في رعايةِ آسرِ
١٦
تجاذبني طاحونةُ الشمس كلماوقفتُ وتمضي بي سِياط المقادِرِ
١٧
وما بسمتي إلا دموعٌ من اللظىقد التمعتْ في وجهِ سهمانَ حاسِرِ
١٨
فدعْ عنكَ يا أعجوبةَ الحبِّ عالميفقبلكَ لم يَلقَ الأعاجيبَ ناظري
١٩
وأمعنَ في تفكيرهِ القمرُ الزاهيفمرَّ بأرضٍ ذاتِ عشْبٍ وأمواهِ
٢٠
يناجيهِ منها عاشقٌ ذو ضراعةٍمناجاةَ صُوفيٍّ لِطَيْفِ إلهِ
٢١
يقول له يا مُشهدي كلَّ ليلةٍجمالَ مُحيَّا رائعِ الحسنِ تيَّاهِ
٢٢
شبيهٌ بهذا الضوءِ نورُ جبينهِعلى أنَّهُ في الناسِ من غير أشباهِ
٢٣
وترسمُ لي الأشباحُ طيفَ خيالهِفأدنو لضمٍّ أو للثمِ شفاهِ
٢٤
تمنَّيْتُ لو وَسَّدْتَ خدّك راحتيوصدرُكَ خفَّاقٌ وجفنُك ساهي
٢٥
فرفَّ على الوادي الشاعُ طروباوناداهُ من بين الظلالِ مُجيبا
٢٦
أزحْ هذه الأغصانَ عنكَ لعلّنيأصافحُ وجهاً من هواك حبيبا
٢٧
فجاوَبهُ يا قرّةَ العين إننيقد اخترتُ من شطِّ الغدير كثيبا
٢٨
إذا أتعَبَتْ عيني السماءُ تطلُّعاوخالستُ لحظاً للنجومِ مُريبا
٢٩
ففي صفَحات الماءِ نهزة عاشقٍيراكَ على بُعْدِ المزار قريبا
٣٠
خلوتُ به أرعاك أوْفى قسامةًوأوفرَ من سحرِ الجمالِ نصيبا
٣١
فغاضَ ابتسام الضوءِ من فرط حيرةٍوصاحَ نجيِّي أنتَ حقَّرتَ سيرتي
٣٢
هو الكونُ مرآتي ومجلى مفاتنيوما لغديرٍ أن يُمثِّلَ صورتي
٣٣
وما نظرَ العشَّاقُ إلَّا لعالمٍيُعَظِّمُ في المعشوقِ كلَّ صغيرةِ
٣٤
أعيذُ الذي شبَّهتَني بجمالهأديمَ مُحيَّا مثل صمَّاء صخرَتي
٣٥
أنا الفحمةُ البيضاءُ إن جنَّني الدُّجىأنا الحمة السوداءُ رأدَ الظهيرةِ
٣٦
فدَعْ عالم الأفلاك واقنعْ بلجَّةٍوغازلْ من الأسماك كلَّ غزيرةِ
٣٧
وبينا يهيمُ الضوءُ في سُبُحاتهِوقد غطّ هذا الكونُ في سُخرياتِهِ
٣٨
رأى شبحاً في قربِ نارٍ كأنمايودِّعُ طيفاً غابَ عن نظراتِهِ
٣٩
يمدُّ ذراعيه ويُرسلُ صوتَهبلوعةِ قلبٍ ذابَ في نبراتِهِ
٤٠
إلى القمر الساري مُحيَّاهُ شاخصٌكصاحبِ نُسْكٍ غارقٍ في صلاتِهِ
٤١
فحامَ عليه الضوءُ واستمهلَ الخُطىوأجرى سناهُ الطلْقَ في قسَماتِهِ
٤٢
وصاحَ به يا شيخُ ما أنت قائلٌتكلَّمْ فإنَّ الليلَ في أخرياتِهِ
٤٣
فقالَ له يا باعثَ الحبِّ والمنىسلِمْتَ وحيّتك العوالمُ والدُّنى
٤٤
شفيتَ جوى شيخٍ أحبَّك يافعاًوعاش بهذا الحبِّ جذلانَ مؤمنا
٤٥
وأفنيتُ عمري أرتقي عالي الذُّرىإلى أنْ بلغتُ اليومَ مثوايَ ههنا
٤٦
وأوقدُ ناري كي تراني وأنثنيلأطلقَ ألحاني وأدعوكَ مَوهِنا
٤٧
وقيلَ ضنينٌ لا يجودُ بوصلهفهأنذا ألقاك يا ضوءُ محسنا
٤٨
تساوتْ كلابٌ تنبح البدرَ سارياًونُوَّامُ ليلٍ أنكروا آيةَ السنا
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.