١
هاتفُ الفجر الذي راعَ النجومْوأطارَ الليلَ عن آفاقِها
٢
لم يَزَلْ يُغري بنا بنتَ الكرومْويُثيرُ الوجدَ في عشاقها
٣
صَيْدَحٌ جُنَّ غراماً بالسَّحَرْأنطقتْهُ لهفةُ الروحِ المشوقْ
٤
مَوثِقُ القلب وميعادُ النَّظرْمهرجانُ النُّور في عُرس الشروقْ
٥
فَرَحُ الجَنَّة في ألحانِهِوصداهُ في السَّحاب العابرِ
٦
أرسَلَ السِّحْرَ على ألوانِهمن فَمٍ شادٍ وقلبٍ شاعرِ
٧
يا لهُ صوتاً من الماضي البعيدْرائعَ الإيقاعِ فتَّان النغمْ
٨
جدَّدَ الأشواقَ باللحن الجديدْوهو كالدنيا عَريقٌ في القِدَمْ
٩
كم عيونٍ نفَضَتْ أحلامَهاحينَ نادى غيرَ حُلمٍ واحدِ
١٠
سلسلتْ فيه المُنى أنغامَهاوهي تشدو بالرحيقِ الخالدِ
١١
كلَّما لألأ في الشرق السَّنادقَّتِ البابَ الأكُفُّ الناحلهْ
١٢
أيُّها الخمَّارُ قمْ وافتح لناواسقِنا قبلَ رحيلِ القافلهْ
١٣
خَمرةُ العشاقِ لا زالتْ ولاجَفَّ من ينبوعها نهرُ الحياهْ
١٤
نضبتْ في قدَحِ العمرِ الطِّلاوهيَ في الأرواح تستهوي الشِّفاهْ
١٥
كم شموسٍ عَبرَتْ هذا الفضاءوألوفٍ من بدورٍ ونجومْ
١٦
والثرى بين ربيعٍ وشتاءضاحكُ النَّوَّارِ وهَّاجُ الكرومْ
١٧
كلُّ عنقودٍ دموعٌ جَمَدَتْوقلوبٌ فَنيتْ فيها شعاعا
١٨
ما احتواها الفجرُ إلَّا اتّقَدَتْجمرةً تذكو حنيناً والتياعا
١٩
لو أصابَتْ ريشتيها وثَبتْبجناحين من الشَّوق القديمْ
٢٠
فاعذرِ الكأسَ إذا ما اضطربتْحَبَباً يخْفِق في كفِّ النديمْ
٢١
أيها الخالدُ في الدنيا غراماأينَ نيْسابورُ والروضُ الأنيقْ
٢٢
أين معشوقكَ إبريقا وجاماهلْ حَطَمْتَ الكأس أم جفَّ الرحيق
٢٣
هذه الكَرمةُ والوادي الظليلْمثلما كانا وهذا البلبلُ
٢٤
حاضرٌ أشبهُ بالماضي الجميلْلو يُغَنِّيهِ المغني الأولُ
٢٥
اليدُ البيضاءُ في كلِّ الغصونْزهرةٌ تَنْدَى ونوْرٌ يُشرقُ
٢٦
والثرى من نَفَسِ الرُّوحِ الحنونْمهجةٌ تهفو وقلبٌ يخفقُ
٢٧
كم تشهَّيتَ الحبيبَ المُحسِنالو سقى مثواكَ بالكأسِ الصبيب
٢٨
وتمنَّيتَ وما أحلى المنىخطواتٍ منه والمثوى قريبْ
٢٩
أتُرى أعطيتَه سِرَّ الخلودْأم حبوتَ الحسنَ سلطاناً يدومْ
٣٠
عجباً تخطئ أسرارَ الوجودْأيها الحاسبُ أعمارَ النجومْ
٣١
شَفَةُ الكأسِ التي أنطقتَهالم تَدَعْ للسائلِ الصادي جوابا
٣٢
حُجُبٌ عن ناظري مَزَّقْتهافرأيتُ العيش برقاً وسرابا
٣٣
ولمستُ الخافقَ الحيَّ المنىطينةً تبكي بكفِّ الجابلِ
٣٤
تشتهي الرَّشْفَةَ مما عَلَّنَاوهي ملأى تحت ثغرِ الناهلِ
٣٥
نسِيَ الأنخابَ من تهوى وأمسىمثلما أمسيتَ يستسقي الغماما
٣٦
واشتكتْ رقَّتهُ في الأرض يُبساوغدا الإبريقُ والكأسُ حطاما
٣٧
لا فما زالا ولا زال الحبيبْأيها المفْعِمُ بالحبِّ الوجودا
٣٨
إنَّ من غنّيْت بالأمس القريبْمَنَحَتْهُ ربَّةُ الشِّعْرِ الخلُودا
٣٩
مرَّ بي طيفُكما ذاتَ مساءوأنا ما بينَ أحلامي وكأسي
٤٠
استبدَّت بيَ أطيافُ الخفاءوتغرَّبتُ عن الدنيا بنفسي
٤١
صِحْتُ بالليلِ إلى أن أشفقافليَقفْ نجمُكَ وليَنأ السَّحَرْ
٤٢
جَدَّدَ العشاقُ فيكَ الملتقىوحَلا الهمسُ على ضوءِ القمَرْ
٤٣
فادخلا بين ضياءٍ وغمامْحانةَ الأقدار والليلِ القديمْ
٤٤
مجلساً يهفو به رُوحُ الغرامْكلُّ نجمٍ فيه ساقٍ ونديمْ
٤٥
وانهلا من سَلْسَلِ النُّورِ المذابْخمرةً ليس لها من عاصرِ
٤٦
قَنَعَ الصوفيُّ منها بالحَبابْوهيَ تنهلُّ بكأسِ الشاعرِ
٤٧
فاروِ يا شاعرُ عن إشراقِهاإنَّما كأسُك نورٌ وصفاءْ
٤٨
كيفَ طالعتَ على آفاقهاروعةَ الغيبِ وأسرارَ السماءْ
٤٩
كيف أبصرتَ الجمالَ المشرِقابَصَرَ الفانينَ في حُبِّ الإلهْ
٥٠
وفتحتَ الأبدَ المستغلِقاعن ضمير الكونِ أو سرِّ الحياهْ
٥١
أبروحانيةِ الشَّرقِ العريقْأمْ ببوهيميَّةِ الفنِّ الطَّليقْ
٥٢
سَبَحَتْ رُوحُك في الكون السحيقْحيث لا يَسْمعُ طافٍ لغريقْ
٥٣
حيث أبصرتَ الذي لم تُبْصِرِأعينٌ مَرَّتْ بهذا العالَمِ
٥٤
ذاك سرُّ الشاعرِ المستهترِوفتونِ الفيلسوفِ العالمِ
٥٥
ذاك سرُّ النَّغْم المسترسلِوالصفاءِ السلسلِ المطَّردِ
٥٦
رُوحُ شادٍ فَنِيَتْ في الأزَلِوتحدَّثْ شهوةَ المنتقدِ
٥٧
صرَخَتْ آلامُهُ في كُوبهِفهوى يثأرُ من آلامهِ
٥٨
إنما البعثُ الذي تشدُو بهِيقظةُ المفجوعِ في أحلامِهِ
٥٩
إنما البعثُ المُرَجَّى للوَرَىغاية الحيِّ التي لا تُحمَدُ
٦٠
إنما تُبْعَثُ في هذا الثَّرىبعضَ ما يُقطَفُ أو ما يُحصَدُ
٦١
حَسبُها تعزيةً أنَّا سَنَحْيَافي غدٍ مثلَ حياةِ الزَّهَرِ
٦٢
وسنطوي الأبدَ المجهولَ طيَّاجُدَدَ الأطياف شتَّى الصُّوَرِ
٦٣
حسبُها تعزية أن نحلُمابأناشيدِ الصَّباحِ المنتظرْ
٦٤
ونشقُّ الأرض عن وجهِ السَّماحيث نورُ الشمسِ أو ضوءُ القمرْ
٦٥
ربما جَدَّدَ أو هاجَ لنَانبأً أو قِصةً مِنْ حُبِّنَا
٦٦
نوْحُ ورقاءَ أرنَّتْ حَوْلناأو شجَى قُبّرةٍ مرَّتْ بنا
٦٧
أو خُطَى إلفينِ في فجرِ الصِّباأترَعا كأسَيهما مِنْ ذوبهِ
٦٨
أو صدَى رَاعٍ على تلكَ الرُّبىصَبَّ في النَّاي أغاني حُبِّهِ
٦٩
حُلُمٌ مَثَّلتُهُ في خاطريفعشقتُ الخُلدَ في هذا الرُّواءْ
٧٠
أنكرُوهُ فَحَكَوا عن شاعرِجُنَّ بالخمر وأغوتْه النساءْ
٧١
ولقد قالوا شذوذٌ مُغرِبُوإباحيَّة لاهٍ لا يُفيقْ
٧٢
آهِ لو يَدْرونَ ما يضطربُبين جنبيْكَ من الحزن العميقْ
٧٣
أوَلا يغْدو الخليعَ الماجِنامن رأى عُقْبَى الصباحِ الباسِمِ
٧٤
ورأى الحيَّ جماداً ساكنابعد ذيَّاك الحراك الدائمِ
٧٥
أوَلا يُغْرِبُ في نشوتِهشاربُ الغُصَّةِ في اليومِ الأخيرْ
٧٦
أوَلا يُمْعنُ في شهوتهِمُسْلِمُ الجسمِ إلى الدودِ الحقيرْ
٧٧
قصةُ الزُّهدِ التي غَنَّوْا لهاعلَّلتهمْ بالسرابِ الخادعِ
٧٨
نشوةُ الشاعر ما أجملهاهيَ مفتاحُ الخلودِ الضّائعِ
٧٩
لو أصابوا حكمةً ما اتَّهمواوبكى لاحيكَ والمسْتهجنُ
٨٠
فهو من دنياهمُ لو عَلمواعَبَثٌ مُرٌّ ولَهْوٌ مُحزنُ
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.