١
دعوتَ خيالي فاستجابتْ خواطريوحدَّثني قلبي بأنكَ زائرِي
٢
عشيَّةَ أغرى بي الدُّجى كلَّ صائحٍوكلَّ صدىً في هَدأةِ الليلِ عابرِ
٣
أقولُ مَنِ السَّاري وأنت مُقاربيوأهتفُ بالنجوى وأنتَ مُجاورِي
٤
أحسُّكَ مِلءَ الكون رُوحاً وخاطراًكأنَّك مبعوثُ الليالي الغوابرِ
٥
ومثَّل لي سمعي خُطاكَ فخِلتُهاصَدَى نبأٍ من عالم الغيبِ صادرِ
٦
سوى خطراتٍ من بنانٍ رفيقةٍطَرَقْتَ بها بابي فهبَّتْ سرائرِي
٧
عرفتُكَ لم أسمعْ لصوتِكَ نبأةًوشمْتُكَ لم يَلمحْ محيَّاكَ ناظرِي
٨
أرى طَيْفَ معشوقٍ أرى روحَ عاشقٍأرى حُلمَ أجيالٍ أرى وجهَ شاعرِ
٩
إليْكَ ضِفافَ النيل يا روحَ حافظفجدِّد بها عهدَ الأنيسِ المُسامرِ
١٠
وساقِط جَنَاها من قوافيكَ سلسلاًرخيماً كأرهامِ الندى المتناثرِ
١١
سرَت فيه أرواحُ النَّدامى وصفَّقتْكؤوسٌ على ذكرِ الغريب المسافرِ
١٢
نَجيَّ الليالي القاهريَّات طُفْ بهاخيالةَ ذكرى أو عُلالة ذاكرِ
١٣
وجُزْ عَالمَ الأشباح فالليل شاخصٌإليكَ وأضواءُ النجومِ الزَّواهرِ
١٤
وطالِعْ سماءً في مَعَارجِ أُفقهامَرحت بوجدانٍ من الشِّعر طاهرِ
١٥
وسَلسَلتْ من أندائها وشُعاعِهاجَنى كرْمةٍ لم تحوِها كفُّ عاصرِ
١٦
تدفقَ بالخمر الإلهيِّ كأسهافغرَّدَ بالإلهام كلُّ مُعاقرِ
١٧
على النيل روحانيةٌ من صفائهاولألاءُ فجر عن سنا الخُلد سافرِ
١٨
فصافحْ بعينيك الديار فطالمامددتَ على آفاقِها عين طائرِ
١٩
وخذ في ضفافِ النهر مسراك واتَّبعْخطى الوحي في تلك الحقول النواضرِ
٢٠
حدائقُ فرعونَ بدفاقِ نهرهاوجنَّتهُ ذاتُ الجنى والأزاهرِ
٢١
وفي شُعَبِ الوادي وفوقَ رمالهعصِيُّ نبيٍّ أو تهاويلُ ساحرِ
٢٢
صوامِعُ رُهبان محاريبُ سُجَّدٍهياكِلُ أربابٍ عروشُ قياصرِ
٢٣
سَرى الشعرُ في باحاتها روحَ ناسكٍوترديد أنفاس ونجوى ضمائرِ
٢٤
وهمسَ شِفاهٍ تثمَلُ الروح عندهُوتسبحُ في تيهٍ من السِّحر غامرِ
٢٥
هو الشعر إيقاع الحياة وشدوُهاوحُلْمُ صِباها في الرَّبيع المباكِرِ
٢٦
وصوتٌ بأسرارِ الطبيعةِ ناطقٌولكنه روحٌ وإبداعُ خاطرِ
٢٧
ووثبةُ ذِهنٍ يَقنصُ البرقَ طائراًويغزو بروجَ النَّجْمِ غيرَ مُحاذِرِ
٢٨
فيا دُرَّةً لم يحوِها تاجُ قيصرولا انتظمتْ إلَّا مفارقَ شاعرِ
٢٩
تألَّه فيكِ القلبُ واستكبرَ الحِجىعلى دَعَةٍ من تحْتها روحُ ثائرِ
٣٠
إذا اعترضَ الجبَّارُ ضوءَكِ شامخاًتلقَّيتهِ كبْراً ببَسْمَةِ ساخرِ
٣١
لمستِ حديدَ القَيْدِ فانحلَّ نظمهُوأطلقتِ أسرَى من براثِن آسِرِ
٣٢
وما زِدْتِ في الأحداثِ إلَّا صلابةًإذا النَّارُ نالتْ من كِرام الجواهرِ
٣٣
يزينُ بكِ الرّاعي سقيفةَ كُوخِهفتخشَعُ حَيرَى نيِّراتُ المقاصرِ
٣٤
أضاعوكِ في أرضِ الكنوز وما دَروْابأنكِ كنزٌ ضمَّ أغلى الذَّخائرِ
٣٥
وهُنتِ على مهدِ الفنونِ وطالماسموتِ بسلطان من الفنِّ قاهرِ
٣٦
إذا افتقدَ التاريخُ آثار أمَّةٍأشرْتِ بما خلَّدتِه من مآثرِ
٣٧
سلاماً سلاماً شاعرَ النيلِ لم يزلْخيالُكَ يَغشَى كلَّ نادٍ وسامرِ
٣٨
وشعرك في الأفواهِ إنشادُ أمةٍتغنَّتْ بماضٍ واستعزَّتْ بحاضِرِ
٣٩
هتفتَ بها حيَّا فلا تألُ خالداًهُتافكَ وانفضْ عنكَ صمْتَ المقابرِ
٤٠
صدَاكَ وإن لم تُرسلِ الصوتَ مالئٌسماعَ البَوادي والقُرى والحواضرِ
٤١
وذِكراكَ نجْوى البائسين إذا هَفتْقلوبٌ وحارت أدمُعٌ في المَحَاجرِ
٤٢
يَدُلُّ عليكَ القلبَ أنَّاتُ بائسٍونظرةُ محزونٍ وإطراقُ سادِرِ
٤٣
وما أنتَ إلَّا رائدٌ من جماعةٍتوالوا تِباعاً بالنفوسِ الحرائرِ
٤٤
صَحَتْ بادياتُ الشرقِ تحتَ غُبارِهمعلى شدْوِ أقلام ولمعِ بواترِ
٤٥
وفي القِمَمِ الشَّماءِ مِنْ صَرَخاتهمصدَى الرعدِ في عَصفِ الرياح الثَّوائرِ
٤٦
يُضيئونَ في أفقِ الحياةِ كأنَّهمعلى شطِّها النَّائي منارةُ حائرِ
٤٧
فيا شاعراً غنَّى فرَقَّ لشجوِهِجَفاءُ اللَّيالي واعتسافُ المقادرِ
٤٨
لكَ الدهرُ لا بل عالمُ الحسِّ والنُّهَىخميلةُ شادٍ آخذٍ بالمشاعرِ
٤٩
فنمْ في ظلال الشَّرقِ واهنأ بمضجَعٍنديٍّ بأنفاسِ النَّبيِّينَ عاطرِ
٥٠
ووسِّدْ ثراهُ الطُّهرَ جَنبَكَ وانتظِملِداتكَ فيه فهوَ مهْدُ العَبَاقرِ
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.