١
هَبَطَ الأرضَ كالشعاعِ السنيِّبعصا ساحرٍ وقلْبِ نبيِّ
٢
لمحةٌ من أشعَّةِ الرُّوحِ، حلَّتْفي تجاليدِ هيكلٍ بشريِّ
٣
ألهمتْ أصغريْهِ من عالمِ الحكــمةِ والنُّورِ كلَّ معنًى سريِّ
٤
وَحَبَتْهُ البيانَ رِيًّا من السِّحــرِ به للعقول أعذبُ ريِّ
٥
حينما شارفَتْ به أفقَ الأرضِ زَها الكونُ بالوليد الصبيِّ
٦
وسبَى الكائناتِ نور محيَّاضاحكِ البشرِ عن فؤادٍ رضيِّ
٧
صُوَرُ الحسن حُوَّمٌ حول مهدٍحُفَّ بالوردِ والعَمَارِ الزَّكيِّ
٨
وعلى ثغرِهِ يُضيءُ ابتسامٌرَفَّ نورًا بأرجوانٍ نَدِيِّ
٩
وعلى راحتيهِ ريحانة تندَى، وقيثارةٌ بلحن شجيِّ
١٠
فَحَنَت فوق مهده تتملَّىفجرَ ميلادِ ذلك العبقريِّ
١١
وتساءَلنَ حيرةً: مَلَكٌ جَاءَ إلينا في صورة الإنسي؟
١٢
من تُرَى ذلك الوليدُ الذي هــشَّ له الكونُ من جمادٍ وَحَي؟
١٣
من تُراه؟ فَرَنَّ صوتٌ هَتُوفٌمِن وراءِ الحياةِ شَاجِي الدَّوِي!
١٤
إِنَّ ما تشهدون ميلادُ شاعر
١٥
كان وجهُ الثَّرَى كوجهِ الماءِرائقَ الحسنِ مستفيضَ الضياءِ
١٦
حين ولَّى الدُّجَى وأَقْبَلَ فَجْرٌوَاضحُ النُّورِ مشرقُ اللَّأْلَاءِ
١٧
بَهَجٌ في السماءِ والأرض يُهديمن غريب الخيالِ والإيحاءِ
١٨
صفَّقَتْ عنده الخمائلُ نَشْوَىوشدا الطيرُ بين عودٍ وناءِ
١٩
مَظْهَرٌ يبهرُ العيونَ، وسِحْرٌهَزَّ قلبَ الطبيعةِ الْعَذْرَاءِ
٢٠
وجلا من بدائع الفنِّ رَوْضًانَمَّقَتْهُ أناملُ الْإِغْرَاءِ
٢١
ما الربيعُ الصَّنَاعُ أَوْفَى بَنَانًامِنْهُ فِي دِقَّةِ وحُسنِ أَدَاءِ
٢٢
نَسَقَ الأرضَ زينةً وجلاهاقَسَمَاتٍ من وجههِ الوضَّاءِ
٢٣
ربوةٌ عند جدولٍ، عند رَوْضٍعند غَيْضٍ، وصَخْرَةٍ عند مَاءِ
٢٤
فَزَهَا الفجرَ ما بَدَا، وتجلَّىوازْدَهَى بالوُجودِ أيَّ ازدهاءِ
٢٥
قال: لم تُبْدِ لي الطبيعةُ يومًاحين أقبلتُ مثلَ هذا الرُّوَاءِ
٢٦
لَا، ولم يَسْرِ مِلْءَ عيني وأذْنيمثلُ هذا السَّنَا وهذا الغناءِ
٢٧
أيُّ بُشرى لها تَجَمَّلَتِ الأرْضُ وزافتْ في فاتناتِ الْمَرَائِي؟
٢٨
علَّها نُبِّئَتْ من الغيب أمرًاحَمَلَتْهُ لها نجومُ المساءِ
٢٩
قال: ماذا أرى؟ فردَّدَ صوتٌكصدى الوحي في ضميرِ السماءِ
٣٠
إنَّ هذا يا فجرُ، ميلادُ شاعرْ
٣١
كانَ فَجْرٌ، وكَانَ ثَمَّ صَبَاحفيه للحسنِ غُدوةٌ ورَوَاحُ
٣٢
بَكَرَتْ للرِّياضِ فيه عَذَارَىتَزْدَهِي هِنَّ صَبْوَةٌ ومَراحُ
٣٣
حين لاحَتْ لَهُنَّ رَنَّ هتافٌوعَلَتْ بالدُّعَاءِ منهنَّ راحُ
٣٤
قلنَ: ما أجملَ الصباحَ فما حــلَّ على الأرضِ مثلُ هذا صباحُ
٣٥
فتعالوا بنا نُغَنِّي ونلهوفهنا اللهوُ والغناءُ يُتَاحُ
٣٦
وَهُنا جَدْوَلٌ على صفحتيهِيرقصُ الظِّلُّ والسَّنَا الوضَّاحُ
٣٧
وعلى حافتيه قام يغنيــنَا من الطير هاتفٌ صدَّاحُ
٣٨
وفَرَاشٌ لَهُ من الزَّهْرِ ألوانٌ، ومن ريِّقِ الشعاعِ جَنَاحُ
٣٩
دَفَّ في نشوةٍ يُنَاديه نُوَّارٌ وعطرٌ من الثرى فوَّاحُ
٤٠
وهُنَا رَبْوَةٌ تَلَأْلَأُ فيهاخضرةُ العُشب والنَّدى اللَّمَّاحُ
٤١
ونسيمٌ كأنَّه النَّفَسُ الحَائرُ تُصغى لهمسِه الْأَدْوَاحُ
٤٢
مثلَ هذا الصباحِ لم يلد الشرقُ ولم تُنجِبِ الشموسُ الوِضاحُ
٤٣
لكأنَّا بالكونِ أعلام ميلادٍ وعرسٌ قامتْ له الأفراحُ
٤٤
أيَّ حسنٍ نرى؟ فردَّدَ صوتٌشبهَ نجوى تُسرها أرواحُ
٤٥
إنَّ هذا الصباحَ ميلادُ شاعرْ
٤٦
وتجلَّى المساءُ في ضوءِ بدرٍوشُفُوفٍ غُرِّ الغَلَائلِ حُمْرِ
٤٧
وسماءٍ تطفو وترسبُ فيها الــسُّحْبُ كالرغوِ فوق أمواج بحرِ
٤٨
صورُ جمَّةُ المفاتنِ شتَّىكرؤى الحلمِ أو سوانح فكر
٤٩
لا ترى النفسُ أو تحسُّ لديهاغيرَ شجوٍ يفيضُ من نبعِ سحرِ
٥٠
أفُقُ الأرض لم يزَلْ في حواشيــه صدًى حائرٌ بألحانِ طيرٍ
٥١
وب أحنائهِ يَرِفُّ ذَمَاءٌمن سنا الشمسِ، خافقٌ لم يقرِّ
٥٢
وعلى شاطئ الغدير ورودٌأغمضت عينها لمطلع فجر
٥٣
وسرى الماءُ هادئًا في حوافيه يُغَنِّي ما بين شوكٍ وصَخْرِ
٥٤
وكأنَّ النجومَ تسبَحُ فيهِقبلاتٌ هَفَتْ بحالِم ثغر
٥٥
وكأنَّ الوجودَ بحرٌ من النٌّور على أُفقهِ الملائكُ تسري
٥٦
هتفتْ نجمةٌ: أرى الكونَ تبدوفي أساريرِهِ مخايلُ بِشرِ
٥٧
وأرى ذلك المساءَ يثير السحــرَ والشجوَ ملءَ عيني وصدري
٥٨
أتُرانَا بليلةِ الوحيِ والتَّنــزيلِ؟ أم ليلةِ الهوى والشِّعرِ؟
٥٩
ما لهذا المساء يَشْغَفُ نَا حــبًّا ويُوري بنا الفتونَ ويُغري
٦٠
أيُّ سِرٍّ تُرى؟ فرنَّ هتافٌبنجِيٍّ من الصدى مستسرِّ
٦١
إنَّ هذا المساءَ ميلادُ شاعرْ
٦٢
قمرٌ مشرقٌ يزيدُ جمالَاكلما جدَّ في السماءِ انتقالَا
٦٣
وسكونٌ يرقى الفضاءَ، جناحاهُ على الأرض يض فوانِ جلالَا
٦٤
هذه ليلةٌ يشفُّ بها الحســن ويهفو بها الضياءُ اختيالَا
٦٥
جَوُّها عاطرُ النسيم، يثير الــشجوَ والشعرَ، والهوى، والخيالَا
٦٦
وإذا النهرُ شاطئًا ونميرًايتبارى أشعة وظِلالَا
٦٧
وسرى فيه زورق لحبيبيــن، صغيرين، ين عمان وصالا
٦٨
يبعثانِ الحنينَ في صدرِ ليلٍليس يدري الهمومَ والأوجالا
٦٩
شَهِدَ الحبَّ منذ كانَ رواياتٍ على مسرحِ الحياةِ تَوالى
٧٠
وجَرَتْ مِلْءَ مسمعيهِ أحاديــثُ عَفَا ذكرُها لديهِ وَدَالَا
٧١
ذلك الباعثُ الأسى والمثيرُ النــارَ في مهجةِ المُحِبِّ اشتعالَا
٧٢
لم يَجِبْ قلبُه لميلادِ نجمٍلا، ولَم يبكِ للبدور زَوَالَا
٧٣
بيد أنَّ القضاء أوحى إليهليذوقَ الآلام والآمالَا
٧٤
فأحسَّ الفؤادَ يخفق منهُورأى النورَ جائلًا حيث جالَا
٧٥
واستخفَّتْهُ من شفاهِ الحبيــبين شئون الهوى، فرقَّ ومالَا
٧٦
وتجلَّتْ له الحياةُ، وما فيــها فراعَتْهُ فتنةً وجمالَا
٧٧
فجثا ضارعًا: أرى الكون ربِّيغير ما كانَ صورةً ومِثَالَا
٧٨
لم يكنْ يعرِفُ الصبابةَ قلبِيأو تَعِي الأذنُ للغرامِ مقالَا
٧٩
أَتُراها تَغَيَّرَتْ هذه الأرْضُ أم الكونُ في خياليَ حالَا
٨٠
رَبِّ ماذا أرى؟ فرنَّ هتافٌمُسْتَسَرُّ الصَّدَى يُجيب السؤالا
٨١
إنَّ هذا يا ليلُ، ميلادُ شاعرْ
٨٢
وَتَجَلَّى الصَّدى الحبيبُ الساحرْفي محيطٍ من الأشعةِ غامرْ
٨٣
وسكونٍ يبثُّ في الكون روعًاوقفتْ عنده الليالي الدوائرْ
٨٤
واستكانَ الوجودُ، والتفتَ الدهــرُ وأصغتْ إلى صداه المقادرْ
٨٥
لم يَبِنْ صورةً، ولكن رأتهُبعيونِ الخيالِ مِنَّا البصائرْ
٨٦
قال: يا شاعري الوليدَ سلامًاهزَّتِ الأرضَ، يوم جِئْتَ، البشائرْ
٨٧
فإليك الحياةَ شتَّى المعانيوإليكَ الوجودَ جَمَّ المظاهرْ
٨٨
لا تَقُلْ: كم أخٍ لك اليومَ في الأرض شقيِّ الوجدانِ، أسوانَ حائرْ
٨٩
إن تكنْ ساوَرَتْهُ في الأرض آلامٌ وحَفَّتْ به الجدودُ العواثرْ
٩٠
فلكيْ يَسْتَشِفَّ من خَلل الغيــب جمالًا يُذكي شبابَ الخواطرْ
٩١
ولكيْ ينهلَ السَّعَادَةَ من نبــع شهيِّ الورود، عذبِ المصادرْ
٩٢
فلكم جاءَ بالخيال نَبِيٌّولكم جُنَّ بالحقيقة شاعرْ
٩٣
إنما يسعدُ الوجودُ وتشقون، وإنِّي لكم مثيبٌ وشاكرْ
٩٤
ولكم جنتي، اصطفيت كم اليومَ لتُحيوا بها جميلَ المآثرْ
٩٥
فان سقوها جداولًا ورياضًاواجعلوها سَرْحَ النُّهَى والنواظرْ
٩٦
اجعلوا النهرَ كيف شئتمْ، ومُدُّواشاطئيهِ بين المروجِ النواضرْ
٩٧
ماؤه ذوبُ خمرةٍ، وسنا شمــسٍ وريَّا وردٍ، وألحانُ طائرْ
٩٨
وضَعَوا هضبةً تُطلُّ عليهذاتَ صخرٍ منَوَّرِ العشب عَاطِرْ
٩٩
واغرسوا النخلَةَ الجنيَّةَ فوق النبــع في الموقفِ البديعِ الساحرْ
١٠٠
واجعلوا جنتي قصيدةَ شاعِرْ
١٠١
ادخلوا الآن أيها المحسنوناجَنَّةً كنتُم بها توعدونا
١٠٢
اجعلوها من البدائعِ زوناواملأوها من الجمال فنونا
١٠٣
امل أوها فنًّا وليس فتوناوانشروا الصفو فوقها والسكونا
١٠٤
غير لحنٍ يرِفُّ فيها حنوناتتغنَّى به الطيور وُكونا
١٠٥
وسنًا مُشْرقٍ يضيءُ الدجوناسرمديِّ الشعاعِ يمحو المنونا
١٠٦
رائقِ النورِ ليس يُعشي العيوناوتَغَنَّوْا بها كما تش تهونا
١٠٧
وصِفوها جداولًا وعيوناوورودًا نديَّةً وغُصونا
١٠٨
لا تثيروا بها الهوى والمجوناواحذروا أن تذكَّروا «المجنونا»
١٠٩
فلقد ثابَ من هواه شجوناوخلا مهجةً وجفَّ شؤونا
١١٠
وهو في جنتيه أسعدُ شاعرْأيها الشاعرُ اعتمدْ قيثارَكْ
١١١
واعزفِ الآنَ مُنْشِدًا أشعارَكْواجعلِ الحُبَّ والجمالَ شعارَكْ
١١٢
وادْعُ ربًّا دعا الوجودَ وبارَكْفزها وازدهى بميلاد شاعرْ
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.