١
١
٢
الليل، والسوق القديم
٣
خفتَتْ به الأصوات إلا غمغماتِ العابرِين
٤
وخُطى الغريب
٥
وما تبثُّ الريحُ من نغمٍ حزينٍ
٦
في ذلك الليل البهيم.
٧
الليل، والسوق القديم،
٨
وغمغمات العابرين
٩
والنور تعصره المصابيح الحزَانَى في شُحوب—
١٠
مثل الضباب على الطريق —
١١
من كلِّ حانوتٍ عتيق،
١٢
بين الوجوه الشاحبات، كأنَّه نغم يذوب
١٣
في ذلك السوق القديم.
١٤
٢
١٥
كم طاف قبلي من غريب،
١٦
في ذلك السوق الكئيب،
١٧
فرأى وأغمض مُقلتَيه،
١٨
وغاب في الليل البهيم.
١٩
وارتجَّ في حلق الدخان
٢٠
خيالُ نافذةٍ تُضاء،
٢١
والريح تعبث بالدُّخَان …
٢٢
الريح تعبث، في فتورٍ واكتئابٍ، بالدُّخان،
٢٣
وصدَى غِناء …
٢٤
ناءٍ يُذكِّرُ بالليالي المُقمِرَات …
٢٥
وبالنخيل،
٢٦
وأنا الغريب أظلُّ أسمعه …
٢٧
وأحلم بالرحيل
٢٨
في ذلك السوق القديم.
٢٩
٣
٣٠
وتناثر الضوء الضئيل
٣١
على البضائع كالغُبار،
٣٢
يرمي الظلال على الظلال،
٣٣
كأنَّها اللحن الرتيب،
٣٤
ويُريق ألوان المَغِيب
٣٥
البارداتِ، على الجدار،
٣٦
بين الرفوف الرازحات
٣٧
كأنها سُحب المَغِيب.
٣٨
الكوب يحلم بالشراب
٣٩
وبالشِّفاه، ويدٍ تُلوِّنها الظهيرة
٤٠
والسراج أو النجوم.
٤١
ولربما بَردَتْ عليه،
٤٢
وحَشرجَتْ فيه الحياة،
٤٣
في ليلةٍ ظلماء باردة الكواكب والرياح،
٤٤
في مَخدَعٍ سهِر السِّراج به، وأطفأه الصباح.
٤٥
٤
٤٦
ورأيتُ من خلل الدُّخان،
٤٧
مَشاهِد الغَدِ كالظلال.
٤٨
تلك المناديل الحيارى
٤٩
وهي تُومئ بالوداع
٥٠
أو تشرب الدمع الثقيل،
٥١
وما تزال تطفو وترسب في خيالي
٥٢
هوَّم العطر المُضاعف يها، وخضَّبها الدم الجاري!
٥٣
لون الدُّجى وتَوَقُّدُ النارِ
٥٤
يجلو الأريكة ثم تُخفيها الظلال الراعشا
٥٥
توجهٌ أضاء شحوبه اللهبُ
٥٦
يخبو، ويسطع، ثم يَحتجِبُ
٥٧
ودمٌ يُغمغم وهو يقطر ثم يقطُر: مات … مات!
٥٨
٥
٥٩
الليل، والسوق القديم،
٦٠
وغمغمات العابرِين وخُطى الغريب.
٦١
وأنتِ أيَّتُها الشموع
٦٢
ستُوقَدِينَ
٦٣
في المخدع المجهول، في الليل الذي لن تعرفيه،
٦٤
تُلقين ضوءَكِ في ارتخاءٍ مثل أمساء الخريف—
٦٥
حقلٌ تموج به السنابل
٦٦
تحت أضواء الغروب
٦٧
تتجمع الغربان فيه —
٦٨
تُلقين ضوءك في ارتخاءٍ مثل أوراق الخريف
٦٩
في ليلةٍ قمراءُ سَكرى بالأغاني، في الجنوب:
٧٠
نَقْرُ الدرابك من بعيدٍ
٧١
يتهامس السعف الثقيل، به، ويصمت من جديد!
٧٢
٦
٧٣
قد كان قلبي مثلكنَّ،
٧٤
وكان يحلم باللهيب،
٧٥
حتى أتاح له الزمان
٧٦
يدًا ووجهًا في الظلام
٧٧
نار الهوى ويد الحبيب
٧٨
ما زال يحترق الحياة،
٧٩
وكان عامٌ بعد عام
٨٠
يمضي، ووجهٌ بعد وجهٍ
٨١
مثلما غاب الشراع بعد الشراع،
٨٢
وكان يحلم في سكون؛ في سكون:
٨٣
بالصدر، والفم، والعيون
٨٤
والحب ظلَّله الخلود …
٨٥
فلا لقاء ولا وداع
٨٦
لكنه الحلم الطويل
٨٧
بين التمطِّي والتثاؤب تحت أفياء النخيل.
٨٨
٧
٨٩
بالأمس كان وكان — ثم خبا،
٩٠
وأنساه الملال
٩١
واليأس، حتى كيف يحلم بالضياء —
٩٢
فلا حنيني غشى دُجاه، ولا اكتئاب،
٩٣
ولا بُكاء، ولا أنينُ
٩٤
الصيف يحتضن الشتاء ويذهبان …
٩٥
وما يزال كالمنزل المهجور
٩٦
تَعوِي في جوانبه الرياح،
٩٧
كالسُّلم المنهار، لا ترقاه في الليل الكئيب
٩٨
قدمٌ ولا قدمٌ ستُهبِطه إذا التمع الصباح.
٩٩
ما زال قلبي في المغيب
١٠٠
ما زال قلبي في المغيب
١٠١
فلا أصيلَ ولا مساء،
١٠٢
حتى أتتْ هِي والضياء!
١٠٣
٨
١٠٤
ما كان لي منها سوى أنَّا التقينا مُنذ عام
١٠٥
عِند المساء،
١٠٦
وطوَّقَتْنِي تحت أضواء الطريق
١٠٧
ثم ارتخت عني يداها وهي تهمس — والظلام
١٠٨
يحبو، وتنطفئ المصابيح الحزانى والطريق:
١٠٩
«أتسير وحدك في الظلام؟
١١٠
أتسير والأشباح تعترض السبيل، بلا رفيق؟»
١١١
فأجبتُها والذئبُ يعوى من بعيد، من بعيد:
١١٢
«أنا سوف أمضي باحثًا عنها،
١١٣
سألقاها هُناك
١١٤
عند السراب، وسوف أبني مَخدعَين لنا هُناك.»
١١٥
قالت ورجَّعَ ما تبوحُ به الصدى: «أنا من تريد.»
١١٦
٩
١١٧
«أنا من تريد
١١٨
فأين تمضي؟ فيمَ تضربُ في القِفار مثل الشريد؟
١١٩
أنا الحبيبة كُنتُ منكَ على انتظار.
١٢٠
أنا من تُريد …»
١٢١
وقبَّلَتْنِي ثم قالت — والدموع في مقلتيها:
١٢٢
«غير أنك لن ترى حُلم الشباب:
١٢٣
بيتًا على التلِّ البعيد
١٢٤
يكاد يُخفيه الضباب
١٢٥
لولا الأغاني، وهي تعلو نِصفَ وَسنَى،
١٢٦
والشموع
١٢٧
تُلقي الضياء من النوافذ في ارتخاءٍ؛ في ارتخاء!
١٢٨
أنا من تُريد
١٢٩
وسوف تبقى لا ثَواءَ ولا رحيل:
١٣٠
حبٌّ إذا أعطى الكثيرَ فسوف يبخلُ بالقليل،
١٣١
لا يأس فيه ولا رجاء.
١٣٢
١
١٣٣
أنا أيها النائي القريب،
١٣٤
لك أنت وحدك، غير أني لن أكون لك
١٣٥
أنت أسمعها، وأسمعهم ورائي
١٣٦
يلعنون هذا الغرام.
١٣٧
أكاد أسمع أيها الحلم الحبيب
١٣٨
لعناتَ أمي وهي تبكي.
١٣٩
أيها الرجل الغريب
١٤٠
إني لغيرك … بَيْدَ أنك سوف تبقى، لن تسير!
١٤١
قدماكَ سُمِّرَتَا فما تتحركان،
١٤٢
ومُقلتاك لا تُبصران سوى طريقي،
١٤٣
أيُّها العبدُ الأسير؟!
١٤٤
«أنا سوف أمضي فاتركيني:
١٤٥
سوف ألقاها هُناك عند السراب.»
١٤٦
فطوَّقَتْنِي وهي تهمس: «لن تسير!»
١٤٧
١١
١٤٨
«أنا من تُريد،
١٤٩
فأين تمضي بين أحداقِ الذئاب
١٥٠
تتلمَّسُ الدربَ البعيد؟»
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.