١
١ضوء الأصيل يغيم، كالحلم الكئيب، على القبورْ
٢
واهٍ، كما ابتسم اليتامى، أو كما بهتتْ شموعْ
٣
في غيهب الذكرى يهوَّم ظلُّهُنَّ على دموعْ
٤
والمدرج النائي تهبُّ عليه أسراب الطيورْ
٥
كالعاصفات السُّود، كالأشباح في بيتٍ قديمْ
٦
برزت لترعب ساكنيهْ
٧
من غرفةٍ ظلماء فيهْ
٨
وتثاءب الطَّلَلُ البعيد، يُحدِّق الليل البهيمْ
٩
من بابه الأعمى ومن شُباكه الخرب البليدْ
١٠
والجو يملؤه النعيبْ
١١
فتردد الصحراء، في يأسٍ وإعوال رتيبْ
١٢
أصداءَه المتلاشياتْ
١٣
والريح تذروهن، في سأم، على التل البعيدْ!
١٤
وكأن بعض الساحراتْ
١٥
مدّت أصابعها العجاف الشاحنات إلى السماءْ
١٦
تومي إلى سربٍ من الغربان تلويه الرياحْ
١٧
في آخر الأفق المضاءْ
١٨
حتى تعالى ثم فاض على مراقيه الفِساحْ
١٩
فكأن ديدانَ القبورْ
٢٠
فارت لتلتهم الفضاء وتشرب الضوء الغريقْ
٢١
وكأنما أزف النشورْ
٢٢
فاستيقظ الموتى عطاشى يلهث وإن على الطريقْ!
٢٣
وتدفَّع السرب الثقيلْ
٢٤
يطفو ويرسب في الأصيلْ
٢٥
لَجِبًا يرنّقُ بالظلام على القبور البالياتْ
٢٦
وظلاله السوداء تزحف، كالليالي الموحشاتْ
٢٧
بين الجنادل والصخورْ
٢٨
وعلى القبورْ!
٢٩
وتنفس الضوء الضئيلْ
٣٠
بعد اختناقٍ بالطيوف الراعبات وبالجثامْ
٣١
ثم ارتخت تلك الظلال السود وانجابَ الظلامْ
٣٢
فانجاب عن ظلٍ طويلْ
٣٣
يلقيه حفّار القبورْ
٣٤
كفَّان جامدتان، أبرد من جباه الخاملينْ
٣٥
وكأن حولهما هواءً كان في بعض اللحودْ
٣٦
في مقلةٍ جوفاء خاويةٍ يُهَوِّمُ في ركودْ
٣٧
كفَّان قاسيتان جائعتان كالذئب السجينْ
٣٨
وفمٌ كشقٍّ في جدارْ
٣٩
مستوحدٍ بين الصخور الصُّمِّ من أنقاض دارْ
٤٠
عند المساء
٤١
ومقلتان تحدِّقان، بلا بريقْ
٤٢
وبلا دموعٍ، في الفضاءْ:
٤٣
" هو ذا المساءْ
٤٤
يدنو، وأشباح النجوم تكاد تبدو، والطريقْ
٤٥
خالٍ؛ فلا نعشٌ يلوح على مداه … ولا عويلْ
٤٦
إلا النعيبْ
٤٧
وتنهد الريح الطويلْ!
٤٨
وعلام تنعب هذه الغربان، والكون الرحيبْ
٤٩
باقٍ يدور يعجُّ بالأحياء مرضى، جائعينْ
٥٠
بيضَ الشعور كأعظم الأموات، لكن خالدين
٥١
لا يهلكون؟ علام تنعب؟ إن عزرائيل مات!
٥٢
وغدًا أموت، غدًا أموت!"
٥٣
وهزّ حفار القبورْ
٥٤
يُمناه في وجه السماء، وصاح "رب"! أما تثورْ
٥٥
فتبيد نسل العار … تحرق، بالرجوم المهلكاتْ
٥٦
أحفاد عادٍ، باعَةَ الدَّمِ والخطايا والدموعْ؟
٥٧
يا رَبِّ ما دام الفناءْ
٥٨
هو غاية الأحياء، فَأْمُرْ يُهلكوا هذا المساءْ!
٥٩
سأموت من ظمأٍ وجوعْ
٦٠
إن لم يَمُتْ — هذا المساء إلى غدٍ — بعض الأنامْ
٦١
فابعث به قبل الظلامْ!
٦٢
يا رب أسبوعٌ طويل مَرَّ كالعام الطويلْ
٦٣
والقبر خاوٍ، يفغر الفم في انتظارٍ … في انتظارْ
٦٤
ما زلت أحفره ويطمره الغبارْ
٦٥
تتثاءب الظلماء فيه ويرشح القاع البليلْ
٦٦
مما تعصِّر أعين الموتى وتنضحه الجلودْ
٦٧
تلك الجلود الشاحبات وذلك اللحم النثيرْ!
٦٨
حتى الشفاه يمصُّ من دمها الثرى، حتى النهودْ
٦٩
تذوي ويقطر، في ارتخاءٍ من مراضعها، المغيرْ!
٧٠
واهًا لهاتيك النواهد، والمآقي، والشفاهْ!
٧١
واهًا لأجساد الحسان! أيأكل الليل الرهيبْ
٧٢
والدود منها ما تمناه الهوى؟ وا خيبتاهْ!
٧٣
كم جثةٍ بيضاء لم تفتضها شفتا حبيبْ
٧٤
أمسى يضاجعها الرغامْ؟
٧٥
هل كان عدلًا أن أحن إلى السراب، ولا أنالُ
٧٦
إلا الحنين، وألف أنثى تحت أقدامي تنامْ؟
٧٧
أفكلما اتَّقدت رغابٌ في الجوانح شَحَّ مالُ؟
٧٨
ما زلت أسمع بالحروب، فأين أين هي الحروبْ؟
٧٩
أين السنابك والقذائف والضحايا في الدروبْ
٨٠
لأظلَّ أدفإنها فلا تسع الصحارى
٨١
فأدسُّ في قمم التلال عظامهنَّ وفي الكهوفْ؟
٨٢
فكأن قعقعة المنازل في اللظى نَقْرَ الدفوفْ
٨٣
أو وقع أقدام العذارى
٨٤
يرقصن حولي لاعباتٍ بالصنوج وبالسيوفْ!
٨٥
نُبِّئْتُ عن حربٍ تدور، لعل عزرائيل فيها …
٨٦
في الليل يكدح والنهار، فلن يمر على قرانا
٨٧
أو بالمدينة وهي توشك أن تضيق بساكنيها!
٨٨
نُبِّئْتُ أن القاصفات هناك ما تركت مكانًا
٨٩
إلا وحلَّ به الدمار فأي سوقٍ للقبورْ!
٩٠
حتى كأن الأرض من ذهبٍ يُضاحك حافريها
٩١
حتى كأن مَعَاصِرَ الدَّمِ دافقاتٌ بالخمورْ!
٩٢
أواه لو أنِّي هناك أسدُّ، باللحم النثيرْ
٩٣
جوع القبور وجوع نفسي … في بلادٍ ليس فيها
٩٤
إلا أراملَ … أو عذارى غاب عنهن الرجالْ
٩٥
وافتضَّهنَّ الفاتحون إلى الذماء، كما يقالْ!
٩٦
ما زلت أسمع بالحروب فما لأعين موقديها
٩٧
لا تستقرُّ على قرانا؟ ليت عيني تلتقيها
٩٨
وتخضُّهن إلى القرار، وكالنيازك والرعودْ
٩٩
تهوي بهن على النخيل، على الرجال، على المهودْ!
١٠٠
حتى تحدق أعين الموتى، كآلاف اللآلي
١٠١
من كل شبرٍ في المدينة ثم تنظم كالعقودْ
١٠٢
في هذه الأرض الخراب، فيا لأعينها ويا لي!
١٠٣
رباه إني أَقْشَعِرُّ أكاد أسمع في الخيالِ
١٠٤
أغنيَّةً تصف العيونْ
١٠٥
تنثال من مقهى، فأنصت في الزحام، وينصتونْ!
١٠٦
وكأن ما بيني وبين الآخرين من الهواءْ
١٠٧
ثَدْيٌ سخيٌّ بالحليب وبالمحبة والإخاءْ
١٠٨
يا رب أسبوع يمر ولست أسمع من غناءْ
١٠٩
إلا النعيبْ
١١٠
وتنهُّد الريح الرتيبْ!
١١١
وا خيبتاه! ألن أعيش بغير موت الآخرينْ؟
١١٢
والطيبات من الرغيف، إلى النساء، إلى البنينْ
١١٣
هي منة الموتى عليَّ فكيف أشفق بالأنامْ؟
١١٤
فلتمطرنَّهم القذائف بالحديد وبالضرامْ
١١٥
وبما تشاء من انتقامْ
١١٦
من حُمَّيَاتٍ أو جذامْ!
١١٧
نذرٌ عليَّ لئن تشبَّ لأزرعنَّ من الورودْ
١١٨
ألفًا تُرَوَّى بالدماء وسوف أرصف بالنقودْ
١١٩
هذا المزار … وسوف أركض في الهجير بلا حذاءْ
١٢٠
وأعدَّ أحذية الجنودْ
١٢١
وأخطُّ، في وحل الرصيف وقد تلطخ وقد تلطخ بالدماءْ
١٢٢
أعدادهنَّ لأستبيح عدادهنَّ من النهودْ!
١٢٣
وسأدفن الطفلَ الرَّمِيَّ وأطرح الأمَّ الحزينهْ
١٢٤
بين الصخور على ثراهْ
١٢٥
ولسوف أغرز بين ثدييها أصابعي اللعينهْ
١٢٦
ويكاد يحنقها لهاثي وهي تسمع، في لظاهْ
١٢٧
قلبي ووسوسةَ النقود نقودها! وا خجلتاهْ!
١٢٨
أنا لست أحقَر من سواي وإن قسوت فلي شفيعْ
١٢٩
أني كوحشٍ في الفلاءْ
١٣٠
لم أقرأ الكتب الضخام، وشافعي ظمأ وجوعْ
١٣١
أوَما ترى المتحضرينْ
١٣٢
المزدهين من الحديد بما يطير وما يذيعْ؟
١٣٣
مهما ادَّنَأْتُ فلن أسفَّ كما أسفُّوا. لي شفيعْ
١٣٤
أني نويتُ ويفعلون، وإنَّ من يئد البنينْ
١٣٥
والأمّهات ويستحلُّ دمَ الشيوخ العاجزينْ
١٣٦
لأَحَطَّ من زانٍ بما انتهك الغزاةُ وما استباحوا!
١٣٧
والقاتلون هم الجناة وليس حفار القبورْ
١٣٨
وهم الذين يلوِّنون لي البغايا بالخمورْ
١٣٩
وهم المجاعة، والحرائق، والمذابح، والنواحُ
١٤٠
وهم الذين سيتركون أبي وعمّته الضريرهْ
١٤١
بين الخرائب ينبشان ركامهن عن العظامْ
١٤٢
أو يفحصان عن الجذور، ويلهثان من الأوامْ
١٤٣
والصخر كالمقل الضريرهْ
١٤٤
وس يوثق وإن بشعر أختي قبضتيَّ وكالظلامْ
١٤٥
وكخضة الحمّى، تسمِّرها على دمها صدورُ
١٤٦
تعلو وتهبط باللهاث، كأنهنّ رَحًى تدورُ
١٤٧
يا مجرم وإن، إلى الوراء! فسوف تنتفض القبورُ
١٤٨
وتقيء موتاها ويا موتى، على اسم لله ثوروا!
١٤٩
رباه، عفوك إن " قابيل" المكبَّل بالحديدْ
١٥٠
في نفسي الظلماء هَبَّ وقَرَّ يعصره الملالْ!
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.