١٥١
فالليل جاء، وما أزالْ
١٥٢
مستوحدًا أرعى القبور وأنفضُ الدرب البعيدْ
١٥٣
وكأنَّ … يا بشرى! كأن هناك في أقصى الجنوبْ
١٥٤
خطٍّا كأذيال الظلام ولمعةً كدم الغروبْ!
١٥٥
لكأنه ضيفٌ جديدْ!
١٥٦
وبدا الجنازُ، وراح يشهق وهو يدنو في ارتخاءْ
١٥٧
الأوجه المتحجِّرات يضيئها الشفق الكئيبْ
١٥٨
والغمغمات الخافتات من انفعالٍ أو رياءْ
١٥٩
والنعش يحجبه غطاءْ
١٦٠
ألوانه المترنحات كأنما اعتصر المغيبْ
١٦١
فيها قواه، وذاب فيها كوكب واهي الضياءْ
١٦٢
حتى إذا انهال التراب وصُفِّحَ القبر الجديدْ
١٦٣
وتراعش الألق الضئيل، على الظهور المتعباتْ
١٦٤
حتى اضمحل، وغيَّبتها ظلمة الأفق البعيدْ
١٦٥
كانت مصابيح السماء تذر ضوءًا كالضبابْ
١٦٦
بين القبور الموحشاتْ
١٦٧
وعلى الخرائب والرمال
١٦٨
وكان حفّار القبورْ
١٦٩
متعثر الخطوات يأخذ دربه تحت الظلامْ
١٧٠
يرعى مصابيح المدينة وهي تخفق في اكتئابْ
١٧١
ويظل يحلم بالنساء العاريات وبالخمورْ
١٧٢
وتحسّست يده النقود وهيأ الفم لابتسامْ
١٧٣
حتى تلاشى في الظلامْ!
١٧٤
٢
١٧٥
النور ينضح من نوافذ حانةٍ عبر الطريقْ
١٧٦
وتكاد رائحة الخمورْ
١٧٧
تلقي، على الضوء المشبع بالدخان وبالفتورْ
١٧٨
ظلٍّا كألوانٍ حيارى واهياتٍ من حريقْ
١٧٩
ناءٍ … تهوّم، في الدجى الضافي، على وجهٍ حزينْ
١٨٠
وتلوح أشباحٌ عجافُ
١٨١
خلف الزجاج تهيم في الضوء السَّرَابِيِّ الغريقْ
١٨٢
ويشدُّ حفار القبور على الزجاجة باليمينْ
١٨٣
وكمن يحاذر أو يخافُ
١٨٤
يرنو إلى الدرب المنقط بالمصابيح الضئالْ
١٨٥
وتحركت شفتاه في بطءٍ وغمغم في انخذالْ:
١٨٦
"أظننت أنك سوف تقتحم المدينه كالغزاهْ
١٨٧
كالفاتحين وتشتريها بالذي ملكت يداكْ
١٨٨
بأقلّ من ثمن الطلاء القرمزي على شفاهْ
١٨٩
أو في أظافرَ لاحقتها، ذات يومٍ، مقلتاكْ؟
١٩٠
سأعود، لا نهدٌ تعصِّره يدي حتى الذهولْ
١٩١
حتى التأوُّه، والأنين، وصرخة الدم في العروقْ
١٩٢
والسكرة العمياء … والخدر المضعضع … والأفولْ!
١٩٣
والأذرع المتفتِّرات يلوِّن الضوء الخفوقْ
١٩٤
هزّاتها المستسلمات، وينفح الدم والعبيرْ
١٩٥
ظلٌّ لهن على السريرْ
١٩٦
الأذرع المتفترات، وزهرتان على الوسادْ
١٩٧
نسجتهما كفٌ مخضبة الأظافر، زهرتان
١٩٨
تتفتحان على الوسادة كالشفاهِ، وتهمسانْ
١٩٩
نغمًا يذوب إلى رقادْ
٢٠٠
ونعومة الكتفين، والشعر المعطر، والشحوبْ
٢٠١
وتألق الجِيد الشهي، ولفحة النَّفَس البهيرْ
٢٠٢
والنور منفلتًا من الأهداب تثقله الطيوبْ
٢٠٣
قلقًا كمصباح السفينة راوحته صَبًا لعوبْ
٢٠٤
وتخافق الأظلال في دعةٍ، ووسوسة الحريرْ
٢٠٥
والحلمتان أشد فوقهما بصدري في اشتهاءْ
٢٠٦
حتى أحسّهما بأضلاعي، وأعتصر الدماءْ
٢٠٧
باللحم والدَّمِ والحنايا، منهما، لا باليدينْ
٢٠٨
حتى تغيبا فيه، في صدري، إلى غير انتهاءْ
٢٠٩
حتى تمصَّا من دماي وتلفظاني، في ارتخاءْ
٢١٠
فوق السريرْ
٢١١
وتشرئبَّا ثم نثوي جثتين!"
٢١٢
٣
٢١٣
دربٌ كأفواه اللحودْ
٢١٤
لولا التماعات الكواكب، وانعكاس من ضياءْ
٢١٥
تلقيه نافذةٌ، ووقع خُطًى تهاوى في عياءْ
٢١٦
يُصدي له الليل العميق، وحارسٌ تَعِبٌ يعودْ
٢١٧
وَسْنان يحلم بالفراش وزوجه تذكي السراجْ
٢١٨
وتؤجِّج التَّنُّور صامتةً وأخيلةُ اللهيبْ
٢١٩
تضفي عليها ما تشاء من اكتئابٍ وابتهاجْ
٢٢٠
ثم اضمحلَّ الحارس المكدود، والنغم الرتيبْ
٢٢١
وقع الخطى المتلاشيات … كأنه الهمس المريبْ
٢٢٢
ما زال يخفق من بعيدْ
٢٢٣
وتململت قدمان، وارتفعت يدٌ بعد انتظارْ
٢٢٤
وهوت على الباب العتيق، فأرسل الخشب البليدْ
٢٢٥
صوتًا كإيقاع المعاول حين إدبار النهارْ
٢٢٦
بين القبور الموحشات. وأطبق الصمت الثقيلْ
٢٢٧
وأطل من إحدى النوافذ، وهي تفتح وارتيابْ
٢٢٨
وجهٌ حزين ثم غابْ!
٢٢٩
وتحرَّك الباب المُضَعْضَعُ وهو يجهش بالعويلْ
٢٣٠
وتقول أنثى في اكتئابْ:
٢٣١
" ضيفٌ جديدٌ!" ثم تفرك مقلتيها في فتورْ
٢٣٢
ويظلّ يزحفُ كالكسوف يحجِّب الألق الضئيلْ
٢٣٣
عن وجهها، ظِلٌّ يقيّدها بحفار القبورْ!
٢٣٤
٤
٢٣٥
في زهوة الشفق الملوّن حيث يحترق النهارْ
٢٣٦
في عودة الرُّعْيَان أشباحًا يظللها الغبارْ
٢٣٧
في ساعة الشوق الكئيب إلى شواطئ كالضبابْ
٢٣٨
وإلى أكفٍّ مُخلِصاتْ
٢٣٩
وإلى أغانٍ مبهماتٍ هائماتٍ في شعابْ
٢٤٠
أنأى من الأصداء تغشاها نجومٌ ساهماتْ
٢٤١
في ساعة الشفق الملون كان إنسانٌ يثورْ
٢٤٢
بين الجنادل والقبورْ
٢٤٣
نفسٌ معذَّبة تثورْ
٢٤٤
بين الجنادل والقبورْ:
٢٤٥
أأظلُّ أحلم بالنعوش، وأنفض الدرب البعيدْ
٢٤٦
بالنظرة الشزراء، واليأس المظلل بالرجاءْ
٢٤٧
يطفو ويرسب، والسماء كأنّها صنمٌ بليدْ
٢٤٨
لا مأملٌ في مقلتيه … ولا شواظَ ولا رثاءْ؟
٢٤٩
لو أنّها انفجرت تقهقه بالرعود القاصفاتْ!
٢٥٠
لو أنها انكمشت وصاحت كالذئاب العاوياتْ
٢٥١
فات الأوان، فَخُطَّ لَحْدَكَ واثوِ فيه إلى النشورْ!
٢٥٢
لو أنها انطبقت عليَّ كأنها فَمُ أفعوانْ!
٢٥٣
لو أنها اعتصرتْ قوايْ! ومات ظلَّ الأرجوانْ
٢٥٤
في آخر الأفق البعيد، ولألأت قطرات نورْ
٢٥٥
مما تبعثره المدينة وهي تبسم في فتورْ
٢٥٦
وكأنما رضعت مصابيح المدينة مقلتاهْ
٢٥٧
فَسَرَتْ لهيبًا في دماه وألغمتْها بالرغابْ
٢٥٨
وكأنهنّ، على المدى المقرور، آلاف الشِّفَاهْ
٢٥٩
تدعوه ظمأى، لاهثاتٍ … مثل أحداق الذئابْ:
٢٦٠
" ما زلت تحترقين من فرحٍ، وأحترق انتظارًا
٢٦١
صُبِّي سناك على الترابْ
٢٦٢
وعلى الكؤوس الفارغات، وبعثريه على كتابْ
٢٦٣
أو بين أغطية الموائد وهي تنتظر النهارا
٢٦٤
ظَلَّتْ تعابثها شفاه الريح، وانصرف السكارى!
٢٦٥
راحوا إليها مسرعين، إلى التي ارتعشت قواها
٢٦٦
بين التوجُّع والذهول، على يديَّ وفي دمائي
٢٦٧
ليلٌ وأعقبه الصباح ونبّأتني مقلتاها
٢٦٨
أنَّا انتهينا يا سماء، ويا قبور … أما أراها؟
٢٦٩
لا بد من هذا!" وصوَّبَ مقلتيه إلى السماءْ
٢٧٠
حنقًا يزمجر، ثم أطرق وهو يحلم باللقاءْ
٢٧١
بابٌ تَفَتَّحَ في الظلام … وضحكةٌ … وشذًى ثقيلْ …
٢٧٢
ويدانٍ تجتذبان أغطية السرير وتُرخيانْ
٢٧٣
إحدى الستائر ثم تنطفئان في الضوء الضئيلْ!
٢٧٤
وتغيم أخيلة وتجلى، ثم تبرز حلمتانْ
٢٧٥
ويُطل وجهٌ شاحب القسمات مختلج الشفاهْ
٢٧٦
وتغيم أخيلة وتُجلى، ثم تفتح مقلتاهْ
٢٧٧
فيرى القبورْ
٢٧٨
ويرى المصابيح البعيدة كالمجامر في اتِّقادْ
٢٧٩
ويرى الطريق إلى القبورْ
٢٨٠
يكتظُّ بالأشباح زاحفةً إليه على اتِّئَادْ
٢٨١
فيصيح من فرحٍ: "سألقاها، فإن على الطريقْ
٢٨٢
نعشًا وإن حفَّ النساء به وأملق حاملوهْ!
٢٨٣
إني سألقاها!" وينهض وهو يرفع باليمينْ
٢٨٤
فانوسه الصدئ العتيقْ
٢٨٥
يلقي سناه على الوجوهْ
٢٨٦
وعلى الدثار القرمزي وفي عيون القادمينْ
٢٨٧
لو أنه اخترق الدثار بمقلتيه وبالضياءْ
٢٨٨
لو حدث التابوت عمن فيه … أو رفعت يداها
٢٨٩
أو هبَّةٌ للزعزع النكباء حاشية الغطاءْ
٢٩٠
تحت النجوم الساهمات لكاد ينكر من رآها!
٢٩١
ماتتْ كمنْ ماتوا، وواراها كما وارى سواها
٢٩٢
واسترجعت كفّاه من يدها المحطمة الدفينهْ
٢٩٣
ما كان أعطاها، وإن حملت يد امرأةٍ سواها
٢٩٤
تلك النقود بل البقايا من نفايات المدينهْ
٢٩٥
وتظلُّ أنوار المدينة وهي تلمع من بعيدْ
٢٩٦
ويظلُّ حفار القبورْ
٢٩٧
ينأى عن القبر الجديدْ
٢٩٨
متعثر الخطوات يحلم باللقاء، وبالخمورْ!
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.