الشعر الفصيح والنبطي
وكلمات الأغاني
١٥١
وتقَدَّمَ النصرُ المبينُ مُصافحاًأبطالَ مصرَ ضياغِمَ الميدانِ
١٥٢
فيك لِّ وادٍ كان ميداناً لهمنقشوا مواقعهم على الصَّوَّانِ
١٥٣
أثراً يُمثِّلُ بطشهم بعدُوِّهمفتكَ الجياعِ الأُسدِ بالغُزلانِ
١٥٤
صُوَراً تدلُّ لى سلامةِ ذَوقِهِموهُيامِهِم بالغَزوِ والعُمرانِ
١٥٥
دخلوا المدائنَ فاتحينَ وعَمَّرُواما هَدَّمَ الجبرُوتُ من بُنيانِ
١٥٦
وبَنَوا لمصرَ المجدَ رغم مطامعٍللفُرسِ والآشُورِ والرُّومانِ
١٥٧
دُوَلٌ تمَنَّت ما لِمصرَ من العُلاولكم تضيعُ مع الغرورِ أماني
١٥٨
قامت لتبني المجد لكن خانَهَابَطشَ الأُسُودِ بها وجَهلُ الباني
١٥٩
أينَ الفَراعِنَةُ الذين تألَّهُوافي مِصرَ من خُوفلإو إلى الرَّيَّانِ
١٦٠
رَعَمُوا بأنَّ اللَهَ حلَّ بروحِهِمنوراًوهيمنهُم على الإِنسانِ
١٦١
فَطَغَوا وعاثُوا مُفسدين وأَسرَفوافي الظُّلمِ والجبرُوتِ والطَّغيانِ
١٦٢
كَفَرُوا فما الإِنسانُ إلا هيكلٌجَسدٌ سيُصبحُ طعمَةَ الدِّيدانِ
١٦٣
والكبرياءُ إذا تمكَّنَ غيُّهامن نفسه دَفَعَتهُ للعصيانِ
١٦٤
فهي الجُنونُ لكلِّ غرٍّ جاهلٍقد هاجَهُ مَسٌّ من الشَّيطان
١٦٥
أو فهي مقتُ اللَهِ صُبَّ على الذينسيَ الإله وباءَ بالخُسرانِ
١٦٦
ظلموا وجاروا واستبدُّوا قسوةًواستسلموا لأَوامرِ الكُهَّانِ
١٦٧
ظَنُّوا بأَن نعيمهم وهناءَهمفي مُلكِ وادي النيلِ ليس بِفَانِ
١٦٨
واستخدموا الإنسان في أهوائِهِمواستعبَدُوه برهبةٍ وهَوَانِ
١٦٩
نحَتُوا الجبالَ وشيَّدُوا من صَلدِهافوق الهِضَابِ غرائبَ الأَوثانِ
١٧٠
رمزاً لآمون الذي عكفُوا علىتقديسهِ رَدحاً من الأَزمانِ
١٧١
ولمجدِ إيريس التي ظَنُّوا بهاسرَّ الحياةِ وصحةَ الأبدانِ
١٧٢
ولعجل منف وماله قد هيكلواجسداً يمثلُهُ بكلِّ مكانِ
١٧٣
آبيسُ حياً أكرموه وميتاقد جَهزُوه بأنفَسِ الأَكفانِ
١٧٤
ومشت تُشيِّعُهُ الملوكُ يحفُّهُمكهنوتُ منفَ لمدفن الثِّيرانِ
١٧٥
عَبدُوه في ظلِّ الحياةِ وبعدَهاسجدوا لهيكله الرَّميمِ الفاني
١٧٦
كفروا بمن خلقَ الوجودَ وأَشرَكوابالواحدِ المتكبرِ الدِّيانِ
١٧٧
وبنوا من الصخر الأَصم معابداًتحت الرُّبَا وبباطنِ الوِديانِ
١٧٨
دُوراً ببطن الأرضِ لم تَجسُر علىتدميرها يوماً يَدُ الحدَثَانِ
١٧٩
قد أودعوها ما استحالَ وجُودُهُمهما تولى الأرضَ من عُمرانِ
١٨٠
صوراص من الذَّهبش المُصَفَّى مَثَّلَتأشباحَ ما عَبدُوا من الهَذَيانِ
١٨١
وعلى الهياكلِ حولها تُحَفٌ لهاقد رُصِّعَت بالدُّرِّ والمَرجانِ
١٨٢
وبابدع الصُّوَرِ الجميلةِ سَجَّلُواأسرارَ ما اعتَقَدُوا على الجُدرانِ
١٨٣
نقشاً على الصخر الذي عجزَ البِلَىعن مَسِّهِ لدقيق صُنعِ الباني
١٨٤
مَرَّت به الأجيالُ وهو كأنهلم يَمضِ بعدُ لِصُنعِهِ يَومَانِ
١٨٥
ترمى معانيه العجيبةُ عن مدىبُعدِ المُفكِّر في المصير الجُسماني
١٨٦
والجسمُ يقضى في الحياةِ نصيبَهُحتى يحينَ من الحِمامِ تداني
١٨٧
فيفارقُ الدنيا إلى الدار التيبسعادةٍ تلقاهُ أوبهوَانِ
١٨٨
كلُّ النفوسِ إلى الخلود مصيرُهاوالحظُّ مَوكُولٌ إلى الغُفرانِ
١٨٩
قد بَرهَنَ الإيضاحُ في تصويرهمبأدقِّ فهمٍ في أتمِّ بيانِ
١٩٠
عن صحوة الأجسادِ بعد رقودهاوقيامِها للحشر والميزانِ
١٩١
حَيرَى تُبعثِرَها القبورُ كأنهاسَيلُ الجَرادِ يهيمُ في الوِديانِ
١٩٢
هذا هو البعثُ الذي جحدَت بهِأُمَمٌ غَوتها فِتنةُ الشيطانِ
١٩٣
حقّاً له فطنُوا ولما تأتِهِمرُسُلٌ لتهديهُم إلى الإيمانِ
١٩٤
ولقد رأى الحكماءُ أنيَدَ البِلَىلا بُدَّ أن تَسطُو على الأبدانِ
١٩٥
فتظلُّ تُنشِزُ في عظامٍ رَطبَةٍحتى تُجَرِّدَها من الديدانِ
١٩٦
فإذا تجَرَّدَ أصلُها وتطهَّرَتمن كلِّ ما حَمَلَت من الأدرانِ
١٩٧
أخذ البلى أصلها وتطهَّرَتمن كلِّ ما حَمَلت من الأدرانِ
١٩٨
اخذ البِلَى يَسرى فينخَرُ هيكلاًينهارُ تحتَ عوامِلِ الذَّوَبانِ
١٩٩
عِهناً فَتُربا كي يُرَدَّ لأصلهوالتربُ أصلُ سُلالَةِ الإنسانِ
٢٠٠
لا بدَّ يوماً كلُّ من فوق الثرىذرّاً يكون على مَدَى الأَزمانِ
٢٠١
لما بدا ليقينهم ما راعَهُموتبيَّنوا أن كلُّ شيءٍ فانِ
٢٠٢
خافُوا على أجسادهم من هَولِ مايَنتابُها في وَحشةِ الأكفانِ
٢٠٣
فتمكَّنوا بالعلم من تَحليلَهاودَمُ الحياةِ يَدِبُّ في الأبدانِ
٢٠٤
فحصُوا كُرَاتِ دَمِ الوريدِ وكيف قدردَّ الحياةَ لها دَمُ الشُّريَانِ
٢٠٥
وتبيَّنوا القلبَ العجيبَ بُطَينُهُوأذَينه في الصدر يَنقبِضَانِ
٢٠٦
ليحوِّلا مَصلَ الوريدِ إلى دَمٍحيٍّ إذا ما دار يَنبَسِطانِ
٢٠٧
بحثُوا العِظامَ وما حَوَت أدوارُهافي الشِّيبِ والإطفالِ والشُّبَّانِ
٢٠٨
بحثاً يحارُ الطبُّ في تلعيلهِعَرَفُوا به ما هيَّةَ الحيوانِ
٢٠٩
وبقاءها عمراً طويلاً غضَّةًفي قوةٍ وسلامةٍ ومِرانِ
٢١٠
فنخاعُها واللحم سرُّ حياتِهاوهما لحفظ كيانِها حِصنانِ
٢١١
ما غابَ عنهم عنصرٌ لم يفقهواتأثيرَهُ في الهَيكلِ الجثماني
٢١٢
لهم انطوى العلمُ العجيبُ وصرَّحَتبالرغم منه غوامضُ الكِتمانِ
٢١٣
فتوصَّلُوا لنوالِ ما قد أَمَّلُواومع الهزيمةِ لا تَضِيعُ أماني
٢١٤
كانت نتيجةُ بحثهم أن وُفِّقُواعِلماً بسرِّ صيانةِ الابدان
٢١٥
بعدَ المماتِ من اتِّصَال يد البِلىيوماً لتبقى آيةَ الأزمَانِ
٢١٦
أَمناً تمرُّ بها القُرُونُ وبعدَهاتتعاقبُ الأحقابُ في اطمئنانِ
٢١٧
وقوامُها صلبٌ فَتِيٌّ ذاَبلٌقد غادرتهُ نضارةُ الرَّيعانِ
٢١٨
ألقى السُّباتَ عليه سلطانُ الكرىوقد اختفى عن أعين الحدثضانِ
٢١٩
لم تنتقِصه سوى الحياةِ ولم يكُنبالميت أحرى منهُ بالوَسنانِ
٢٢٠
ترمي مناعتهُ الزمانَ بنظرةٍسَخِرَت بفتك كوارث العدوانِ
٢٢١
والدهرُ يعجَبُ أن سلطان البلىمكتوفةٌ بالرغم منهُ يَدانِ
٢٢٢
مَرَّت به تلك العصورُ وتنقضىأمثالُها وقُوَاهُ في نُقصَانِ
٢٢٣
سدٌّ رهيبٌ كُلَّما قَد هَمَّ أنيجتازَهُ لا يستطيعُ تَداني
٢٢٤
هذا هو السرُّ الذي هَزَمَت بهحكماءُ مصرَ عَوادِي الملوانِ
٢٢٥
أقصى عن الإغريق كلَّ حضارةٍوقضى على مدنية الرومانِ
٢٢٦
ما أبعد الإنسان في تفكيرهلو كان منصرِفاً إلى العرفانِ
٢٢٧
تأتي المواهبُ لو تكامل نورُهابالمُعجِزاتِ بعيدةِ الإمكانِ
٢٢٨
هل بعدَ تلك الخارقات فطانَةٌأو بعد ذيَّاك النجاحِ أماني
٢٢٩
أجسادُهم شهدَت بقوَّةِ عزمهموثباتهم وبحدَّةِ الأذهَانِ
٢٣٠
ظهرت لنُورِ الشمسِ وهي كأنَّهالم تقض بعد المَوتِ غيرَ ثَوانِ
٢٣١
وكأنَّ آلافَ السنى تبدلتيوماً مضى في راحةٍ وأمانِ
٢٣٢
هي بيننا وتظل دهراً بعدناوهي التي شهدت ضحى الطوفانِ
٢٣٣
قد أظهر التحنيط أعجبَ آيةٍوصلت إليها حكمةُ الإنسانِ
٢٣٤
عجزَت شعوبُ الأرضِ عن إدراكهوخبا سراجُ الطبِّ في اليونانِ
٢٣٥
وَخَلَت بحارُ العلمش من أصدافِهِمُذ كفَّ كوكبُهُ عن الدَّوَرَانِ
٢٣٦
عِلمٌ مواهِبُه السماءَ فأصبحَتممزوجةً بالعالمِ الرُّوحاني
٢٣٧
قد كان إحدى المعجزات ولم يَزَلأعجوبةَ الدنيا مدى الأَزمانِ
٢٣٨
وكفى به فخراً لمصر وأهلهاأمِّ القرى سُلطانةِ الوديانِ
٢٣٩
هي جنةُ الدُّنيا التي قد أحرَزَتما عز من مُلكٍ ومن عُمرانِ

المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.

عن إسماعيل صبري

عُرف إسماعيل صبري باشا بلقب شيخ الشعراء، وجمع بين العمل في القضاء والإدارة وبين نظم الشعر. كان يكتب قصائده على هوامش الكتب والمجلات، وينشرها أصدقاؤه من دون علمه، وكثيرًا ما كان يمزق ما يكتبه قائلًا إن أحسن ما عنده ما زال في صدره. تولى مناصب قضائية وإدارية في مصر، ورفض مقابلة كرومر حين قيل له إن ذلك قد يمهّد لرئاسته الوزارة، فآثر ضميره. سكت في الحرب العامة الأولى ولزم الصمت حتى وفاته بالقاهرة، وجُمع ما بقي من شعره في … المزيد

قصائد أخرى لـإسماعيل صبري الكل

على البحر والقافية نفسيهما

أبلغ عن خطأ في القصيدة