١
بَلّغ رَبى مَصرٍ تَحيَّةَ عانيفي حُبِّها مُتزائِد الأَشجانِ
٢
وَأَجرع مِن النيلِ المُبارَكِ جُرعَةًتَروِ العَشيَّةَ غلَّةَ الظَمأنِ
٣
وَاقرَ السَلامَ عَلى أَليفٍ نازِحٍعَني إِلَيها ذاهِبُ بِجَنابي
٤
يَأوي حِما الإِسكندَرية قاصِداًتَطبيق نسبة اِسمَها الرَنّانِ
٥
فَغَدَوتُ اِنظُرُ مَصرَ أَبهَجَ بقعَةٍوَأَرى مَرابِعِها أَعَزَّ مَكانِ
٦
يا مَصرُ حَياكِ الحَيا فَلَقَد زَهَتفيكِ الحَيوةُ وَنِلتِ أَعظَمَ شانِ
٧
أَصبَحتِ قاهِرَةَ الدُهور لِأَنَّهاهَجَمَت عَلَيكِ فَرَدَّها الهرمانِ
٨
كَم فيكِ مِن مَجدٍ وَمِن فَرَحٍ وَمِنرَغدٍ وَمِن سَعدٍ وَمِن إِحسانِ
٩
كَم فيكِ مِن أَثَرٍ شَريفٍ للملاكَم فيكِ مِن سَلوى لِكُلِّ مَعاني
١٠
كَم فيكِ مِن ملهىً أَنيسٍ رائِقٍيُنسي الغَريب مَحَبَةَ الأَوطانِ
١١
كَم طابَ لي فيكِ المَقام وَكَم صَفاعَيشي بِربعكِ حَيثُ راقَ زَماني
١٢
كَم فيكِ سابَقتُ الصَباحَ مُبادِراًلِلأَزبَكيةِ فائِزاً بُرهانِ
١٣
هِيَ قاعَةُ الأَطيارِ كُنتُ أَرى بِهاحالَ التَوحد مَجلس الندمانِ
١٤
إِن لَم تَكُن فيها الثِمار فَإِنَّهامِن كُلِ زاهِيَةٍ بِها زَوجانِ
١٥
كَم سِرتُ مُختالاً بِمَركَبةِ الهَنابِطَريقِ شُبرا مَرتَع الغُزلانِ
١٦
أَلقى بِها سرق الرِفاق مُظَلَّلاًتَحتَ الرِواقِ الأَخضَرِ الرَيانِ
١٧
لَهفي عَلى شَبرا البَديعة أَنَّهافي الأَرض قَد أَضحَت نَعيم جِنانِ
١٨
رَوضٌ كَسَتهُ يَدُ العُلى حُلل البَهافَزَها بِها يَسمو عَلى الأَكوانِ
١٩
يا حَبَّذا تِلكَ الرُبوع وَما حَوَتمِما أَجادَتهُ يَدُ الإِتقانِ
٢٠
في الرَوضَةِ الغَناءِ كَم غَنّىلَنا طَيرُ الهِزار عَلى غُصون البانِ
٢١
وَبِقَلعَةِ الجَبَلِ المَنيعِ مَناظِرٌتَجلو لِعَينِكَ قُدرَةُ الإِنسانِ
٢٢
وَعَلى جَناحِ الأَزبَكيَّةِ مَنِزلٌفيهِ خَلَعتُ تَعقلي وَعَياني
٢٣
سِرٌّ لَزِمتُ الحفظَ في كِتمانِهِحَتّى مَلَلتُ وملني كِتماني
٢٤
لَم أَنسَ فيهِ يَمامَةً أَنسيَّةًغازَلتُها فَبَليتُ بِالأَشجانِ
٢٥
لَم أَنسَ مَوقِفَ رَهبَةٍ بإِزائِهايَومَ النَوى حَيث الفُراق دَهاني
٢٦
قَد راعَها طَرف الرَقيبِ فَأَصبَحَتعِوَض الكَلام مُشيرَةً بِبَنانِ
٢٧
وَمُراسَلات القَلب أَصدَق مُخبِرٍوَمُكالَمات العَين خَير لِسانِ
٢٨
فَأَجَبتُ بِالإِيماءِ إِني راحِلٌلَكنَّ حَبي ثابتُ الأَركانِ
٢٩
فَإِغرَورَقَت تِلكَ العُيون وَغَرَّبَتوَعَلى اِبتِسامٍ مالَت الشَفَتانِ
٣٠
فَكَأَنَّها قالَت برقة رَمزَهابِالحَقِ أَنتَ حَنَنتَ لِلأَوطانِ
٣١
فَخَفضتُ أَجفاني عَلى يَأس كَمابُسِطَت يَدايَ وَفاضَتِ العَينانِ
٣٢
وَأَشَرتُ نَحوَ الغَرب أَعني أَنَّنيبَعدَ التَغَرُّبِ عائِدٌ لِمَكاني
٣٣
فَاِستَلمَحَت إِني المَساءَ مغرّبٌفَتَلفتت لِلشَرقِ لَفتةَ عاني
٣٤
فَكَأَنَّها كانَت تَقول اليَّ كُنكَالشَمس تُشرِقُ مِن مَحَلٍ ثاني
٣٥
أَنا راجِعٌ يا فتنَتي أَنا راجِعٌأَنا راجِعٌ مُستَرجِعٌ لِجِناني
٣٦
لا لَستُ أَرجَعهُ دَعيهِ فَإِنَّهُوَقفٌ لِذاكَ الناظر الفَتانِ
٣٧
لَكِن أَعودُ لِكَي أَراكِ وَيَنجَليحَظي التَعيس وَتَنقَضي أَحزاني
٣٨
وَأَرى خَليلَ خَليلِهِ الفَرد الَّذييَرعى الوِداد رِعايَةَ الإِيمانِ
٣٩
غُصنٌ بِإِسرارِ اللَطافَةِ مورقٌلا يَلتَوي إِلّا لِيُنعِشَ فاني
٤٠
قَولي لَهُ إِني قَضَيتُ مِن الأَسىلَكنما أَملُ اللُقا أَحياني
٤١
يا مَنيَتي هَل تَذكُرينَ عَشيَّةَفيها خَطَفتُ فابتُ بِالحِرمانِ
٤٢
حَيثُ البُخارُ أَطارَ راحِلَتي الَّتيكَالبَرقِ قَد سارَت بِغَيرِ عَنانِ
٤٣
فَهُناكَ مِن قَضبِ الحَديدِ مَسالِكٌتَجري بِها العَجَلات كَالغُدرانِ
٤٤
بركينها السَيّار غارَ بِرَكبِنافَعَجِبتُ مِن رَكبٍ عَلى نيرانِ
٤٥
يا أَيُّها الشَرقيُّ هَل تَلقى إِذاحَمَلتكَ غَير تعجب الحَيرانِ
٤٦
أَم تَذكُرنَّ عَلى الهَجين مَراكِباًنَقَلَتكَ تَحتَ حِمايَةِ الهِجانِ
٤٧
ساهِبُّ يَوماً كَالنَسيمِ مُرنِماًبِرَنينها فافرّ مِن أَحزاني
٤٨
وَأَرى المُروج بِها تَموج لِناظِريحللَ البَهاءِ بِجانِبِ الخلجانِ
٤٩
فَبِقُربِ هاتيكَ الرُبوع مَسَرَتيفَيضانِها يربى عَلى الفَيضانِ
٥٠
لا بُدَ مِن خَوض البِحارِ مَرافِقاًطَيرَ البُخارِ يَجد في الطَيَرانِ
٥١
فَأَرى مِن الإِسكَندَرية طَلعَةًهِيَ في المَقام طَليعَة البُنيانِ
٥٢
وَأَرى المَنارَةَ بِالبَشارة تَزدَهيللقادِمين مُشيرَةً بِأَمانِ
٥٣
وَأَرى طَواحين الهَواءِ كَأَنَّهاتَدعو الغَريبَ لِمَنزِلِ الضيفانِ
٥٤
وَإِذ دَخَلتُ إِلى الحِمى أَروي الظَما بَينالأَحِبَّةِ مطفياً نيراني
٥٥
مُتَصَبِباً مُتَغَزِلاً مُتَنَقِلاًمِن رَوضَةٍ غَنا إِلى بُستانِ
٥٦
وَأَرى التَنَزهَ قَد أَقامَ رَواقهُبِفَضاءِ مَحموديةِ الرُضوانِ
٥٧
وَأَرى بِرَأس التينِ كُل عَظيمَةٍقامَت تُخبِرُنا عَن الإِيوانِ
٥٨
وَأَرى الجَمالَ مَع الجَلال مُزَيناًبِجُموعِهِ منشيّةَ الإِتقانِ
٥٩
ملهىً غُصون الماءِ فَوقَ غُصونِهِكَالنَخلِ فَوقَ مَسارِحِ الغُزلانِ
٦٠
وَأَرى عَلى الشاطي مسلَّتهُ الَّتيوَقَفَت بِهِ تَمحو الزَمانَ الفاني
٦١
وَأرى لِتذكار الفراعنَ فَوقَهارَمزاً يُبين عِنايَةَ اليُونانِ
٦٢
نَقلت بهمتم لزينة ربعهاوَنَظيرُها لا عاظم البُلدانِ
٦٣
هِي إِبرَة الذات الَّتي اِشتَهَرَت بِهالَكِنَّها وُضِعَت لِغَير بنانِ
٦٤
وتقرّ عَيني في لِقائيكَ مُهجَتيفَيَصح سَعدي غالِباً لِزَماني
٦٥
يا أَصدَق الخِلانِ في حفظِ الوَلابَينَ المَلا يا أَلطَفَ الندمانِ
٦٦
قَد ذُبتُ وَجداً في نَواكَ فَلَم أَعُدإِلّا اِشتِياقاً قامَ كَالجسمانِ
٦٧
دَمعي شَرابي سَلوَتي ذكر اللقاقُوَتي رَجاءي قوَّتي هَيمالي
٦٨
أَصبَحتُ يَعقوبَ الوَحيدَ بِحَسرَتيوَتَعذبي لِلبين مَع أَشجاني
٦٩
وَغَدوتَ لي في مصر ثاني يوسفٍلَكن بِحُبك صاحَ ما لَكَ ثاني
٧٠
أَلقاكَ وَهماً في الرِياض وَفي الرُبىوَبِكُل مَأدبةٍ فَهَل تَلقاني
٧١
وَأَرى خَيالَك في الدِيار مُصوَّراًتَهفو إِلَيهِ مَعاشر الخِلانِ
٧٢
وَعَلى فوادي قامَ كُرسي مَجدِهِفَأَقامَ مُنَجَلياً بِخَير مَكانِ
٧٣
أَصبَحتُ بَعدَكَ في الرُبوع مُضَيَّعاًأَجِدُ العَناءَ مضيِّعاً سُلواني
٧٤
إِسكَندرُ القي سَماعَكَ لِلحِما تَلقَالخَليلَ يَقول لا تَنساني
٧٥
فَلقاكَ تَعزيتي وَلطفَكَ سالِبيأَبَداً وَحُبكَ في المَلا إِيماني
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.