٣٠١
فأصبحُوا من بَسطهم في قَبْضِقد ألصقت خدودُهم بالأرضِ
٣٠٢
حتى بَدَوْا إليه بالبرهانِمن أكبرِ الآباءِ والوِلْدانِ
٣٠٣
فالحمدُ للَّهِ على تأييدهحمداً كثيراً وعلى تسديدهِ
٣٠٤
ثمَّ غَزا بيُمنهِ أشُونَاوقد أشادُوا حولها حُصونا
٣٠٥
وحَفَّها بالخيلِ والرّجالِوقاتَلوهُم أبلغَ القِتالِ
٣٠٦
حتى إذا ما عاينُوا الهلاكاتَبادروا بالطَّوعِ حينذاكا
٣٠٧
وأَسلمُوا حِصْنَهُمُ المَنيعاوسَمحوا بِخَرجِهم خُضوعا
٣٠٨
وقبلَهم في هذه الغَزاةِقد هُدِّمتْ مَعاقلُ العُصاةِ
٣٠٩
وأحكم الإمامُ في تدبيرهِعلى بني هابلَ في مَسيرهِ
٣١٠
إذ حُبسوا مراقباً عليهمحتى أَتَوا بكلِّ ما لديهمُ
٣١١
من البَنين والعِيالِ والحشمْوكُلِّ من لاذَ بهمْ من الخَدَمْ
٣١٢
فَهبَطُوا من أَجمَعِ البُلدانِوأُسكنُوا مدينةَ السّلطانِ
٣١٣
فكانَ في آخرِ هذا العامِبعد خُضوعِ الكُفرِ للإِسلامِ
٣١٤
مَشاهدٌ من أَعظمِ المَشاهِدِعَلى يَدَي عبد الحميدِ القائدِ
٣١٥
لمّا غَزا إلى بني ذي النُّونِفكانَ فتحا ًلم يَكُن بالدُّونِ
٣١٦
إذ جَاوزوا في الظُّلْمِ والطُّغيانِبقَتْلهم لعامِلِ السُّلطانِ
٣١٧
وحاولُوا الدُّخولَ في الأَذيَّهحَتى غَزاهُمْ أَنجدُ البريَّه
٣١٨
فعاقَهُم عَنْ كلَّ ما رَجَوْهُبنَقْضه كُلَّ الذي بَنَوْهُ
٣١٩
وضَبْطِهِ الحِصْنَ العَظيمَ الشّانِأَشتبينَ بالرَّجْل وبالفُرسانِ
٣٢٠
ثمّ مَضى اللّيثُ إليهم زحفاًيَختطِفُ الأَرواحَ منْهم خَطْفا
٣٢١
فَانهزموا هزيمةً لم تُرْفَدَاوَأَسْلموا صِنْوَهُمُ مُحمّدا
٣٢٢
وغَيرَهُ مِن أَوْجُهِ الفُرسانِمُغرَّب في مأتمِ الغِرْبانِ
٣٢٣
مُقطَّعَ الأَوصالِ بالسَّنابِكِمن بعدِ ما مُزّقٍ بالنَّيازِكِ
٣٢٤
ثمّ لجُوا إلى طِلاب الأَمنِوبَذْلهم ودَائعاً من رَهْنِ
٣٢٥
فَقُبضتْ رِهانُهُمْ وأُمِّنواوأَنْفَضوا رُؤوسَهُم وأَذْعُنوا
٣٢٦
ثمّ مَضى القائدُ بالتأييدِوالنَّصر في ذِي العَرْش والتَّسديدِ
٣٢٧
حتى أتى حِصْنَ بني عِمارَهْوالحرْبُ بالتَّدْبير والإدَارَهْ
٣٢٨
فافتتحَ الحِصْنَ وخَلَّى صاحِبهْوأَمَّنَ النَّاسَ جميعاً جانِبَهْ
٣٢٩
لم يَغْزُ فيها وغَزَتْ قُوَّادُهُواعتَوَرت بِبُشترا أجنادُهُ
٣٣٠
فكلُّهم أَبلَى وأَغنَى واكتَفىوكُلُّهم شَفَى الصُّدورَ واشْتَفى
٣٣١
ثمّ تلاهُمْ بعدُ ليثُ الغيلِعبدُ الحميد من بني بسيلِ
٣٣٢
هو الَّذِي قامَ مقامَ الضَّيغَمِوجاءَ في غَزاتِهِ بالصَّيلَمِ
٣٣٣
برأسِ جالوتِ النِّفاقِ وَالحَسدْمَن جُمِّع الخِنزيرُ فيه والأَسدْ
٣٣٤
فهاكَهُ مع صَحبهِ في عِدَّهمُصلَّبين عند بابِ السُّدَّه
٣٣٥
قَدِ امتطى مَطيّةً لا تَبرحُصائمةً قائمةً لا تَرْمَحُ
٣٣٦
مطيَّةً إنْ يَعْرُها انْكسارُيُطِبُّها النَّجَّارُ لا البيطارُ
٣٣٧
كأَنَّه من فَوقها أسْوَارُعيناهُ في كِلتيهما مِسمارُ
٣٣٨
مباشِراً للشَّمسِ والرِّياحِعلى جودٍ غير ذي جِماحِ
٣٣٩
يقولُ للخاطرِ بالطَّريقِقولَ مُحبٍّ ناصِحٍ شَفِيقِ
٣٤٠
هذا مقامُ خادمِ الشّيطانِومَن عَصى خليفَةَ الرحمنِ
٣٤١
فما رأينا واعظاً لا يَنْطِقُأصدقَ منه في الّذِي لا يَصدقُ
٣٤٢
فقُلْ لمن غُرَّ بسُوءِ رائِهِيَمُتْ إذا شاءَ بمثلِ دائِهِ
٣٤٣
كم مارقٍ مضَى وكمْ مُنافِقِقدِ ارتقى في مِثلِ ذاكَ الحالِقِ
٣٤٤
وعادَ وهوَ في العَصا مُصلَّبُورأَسُهُ في جِذْعهِ مُركَّبُ
٣٤٥
فكيفَ لا يَعتبرُ المخالفُبحالِ من تَطلبهُ الخلائفُ
٣٤٦
أما تَراهُ في هَوانٍ يرتَعُمعتبراً لمن يرى ويسمعُ
٣٤٧
فيها غَزا مُعتزماً بِبُشترافجالَ في ساحَتها ودمَّرا
٣٤٨
ثمَّ غزا طَلْجيرةً إليهاوهي الشجَى من بين أَخدعَيْها
٣٤٩
وامتدَّها بابنِ السَّليم راتبامشمِّراً عن ساقهِ مُحاربا
٣٥٠
حتّى رأى حَفْصٌ سبيلَ رُشدِهِبعد بُلوغِ غايةٍ من جُهدِهِ
٣٥١
فدانَ لِلإمام قصداً خاضعاًوأَسلَم الحِصنَ إليه طائعا
٣٥٢
لم يَغْزُ فيها وانتحَى بِبُشترافَرمَّها بما رأى ودبّرا
٣٥٣
واحتلَّها بالعزِّ والتَّمكِينِومحْوِ آثارِ بني حَفْصونِ
٣٥٤
وعاضَها الإصلاحَ من فسادهمْوطَهَّرَ القبورَ من أجسادِهمْ
٣٥٥
حتّى خَلا مَلْحودُ كلِّ قبرِمِن كلِّ مُرتَدٍّ عظيمِ الكُفْرِ
٣٥٦
عصابةٌ مِن شيعةِ الشَّيطانِعدوَّةٌ ِللَّهِ والسّلطانِ
٣٥٧
فَخُرِّمَتْ أجسادُها تخرُّماوأصليتْ أرواحُهم جَهنَّما
٣٥٨
ووجَّه الإمامُ في ذا العامعبد الحميدِ وهو كالضِّرغامِ
٣٥٩
إلى ابن داودَ الّذِي تَقلَّعافي جَبلَيْ شَذُونَةٍ تمنَّعا
٣٦٠
فحطَّه منها إلى البسيطِكطائرٍ آذنَ بالسُّقوطِ
٣٦١
ثمَّ أتى بِهِ إلى الإمامِإلى وفيِّ العَهدِ والذِّمامِ
٣٦٢
وبعد سَبع عَشرةٍ وفيهاغزا بَطَلْيُوسَ وما يليها
٣٦٣
فلم يزَلْ يَسومُها بالخسْفِويَنْتحيها بسُيوفِ الحَتْفِ
٣٦٤
حتى إذا ما ضَمَّ جانِبَيْهامُحاصِراً ثم بنَى علَيْها
٣٦٥
خلَّى ابنَ إِسحاقٍ عليها راتبامُثابراً في حَرْبهِ مُواظِبا
٣٦٦
ومَرَّ يَسْتَقصي حُصونَ الغَرْبِويَبتليها بوَبيلِ الحَرْبِ
٣٦٧
حتّى قَضَى مِنهُنَّ كُلَّ حاجَهْوافتُتحَتْ أَكْشُونَبه وباجّه
٣٦٨
وبعد فتْح الغَرْبِ واستِقصائهِوحَسْمِه الأدواءَ من أَعدائِهِ
٣٦٩
لجَّت بَطلْيوسُ على نِفاقِهاوغَرَّها اللَّجاجُ من مُرَّاقِها
٣٧٠
حتّى إذا شَافَهَتِ الحُتوفاوشامَتِ الرِّماحَ و السُّيوفا
٣٧١
دعا ابنُ مَروان إلى السُّلطانِوجاءَه بالعَهْدِ والأمانِ
٣٧٢
فصارَ في تَوسِعةِ الإمامِوساكناً في قُبَّةِ الإسلامِ
٣٧٣
فيها غَزا بِعْزمِهِ طُلَيْطلَهْوامتنعوا بمَعْقلٍ لا مِثلَ لَهْ
٣٧٤
حتى بَنى جرنكشه بجَنبهاحِصْناً منيعاً كافلاً بحَرْبها
٣٧٥
وشدَّها بابن سَليمٍ قائدامُجالداً لأَهلها مُجاهدا
٣٧٦
فجاسَها في طُولِ ذاكَ العامِبالخسْفِ والنَّسفِ وضَرْبِ الهامِ
٣٧٧
ثمّ أتى رِدْفاً له دُرِّيُّفي عسكرٍ قضاؤهُ مَقْضيُّ
٣٧٨
فحاصروها عامَ تسعَ عشْرَهْبكلِّ مَحْبُوكِ القُوى ذي مرَّه
٣٧٩
ثمّ أَتاهم بعدُ بالرِّجالِفقاتلوهم أَبلغَ القِتالِ
٣٨٠
حتّى إذا ما سَلفت شُهورُمن عامِ عشْرينَ لها ثُبورُ
٣٨١
ألقَتْ يدَيها للإمامِ طائعَهْواستَسلَمَت قَسراً إليه باخِعَه
٣٨٢
فَأَذعَنَتْ وقَبلَها لم تُذْعنِولم تَقُد منْ نَفْسها وتُمكنِ
٣٨٣
ولم تَدِنْ لربِّها بِدِينِسبعاً وسَبعين منَ السِّنينِ
٣٨٤
ومُبتدى عشرينَ مات الحاجبْمُوسى الذي كانَ الشهابَ الثاقبْ
٣٨٥
وبَرزَ الإمامُ بالتأييدِفي عُدَّةٍ منهُ وفي عَديدِ
٣٨٦
صَمْداً إلى المدينةِ اللعينَهأتعسَها الرّحمنُ من مَدينَه
٣٨٧
مدينةُ الشِّقاق والنِّفاقِوموئِلِ الفُسَّاق والمُرَّاقِ
٣٨٨
حتّى إذا ما كانَ مِنها بالأمموقد ذَكا حَرُّ الهَجير واحتدَمُ
٣٨٩
أتاهُ واليها وأَشياخُ البَلدْمُسْتَسلمين للإمام المُعتمدْ
٣٩٠
فَوافَقُوا الرَّحبَ من الإمامِوأُنزلوا في البِرِّ والإكرامِ
٣٩١
ووجَّه الإمامُ في الظَّهيرَهخَيلاً لكي تدخلَ في الجَزِيرَه
٣٩٢
جَريدةٌ قائِدُها دريُّيَلمعُ في مُتونِها الماذِيُّ
٣٩٣
جريدةٌ في وَعْرِها وسَهلهاوذاكَ حينَ غفلةٍ من أَهلها
٣٩٤
ولم يكُن للقومِ من دفاعِبخَيلِ درّيٍّ ولا امتناعِ
٣٩٥
وقوَّضَ الإمام عند ذلكاوقلبُه صَبٌّ بما هُنالكا
٣٩٦
حتى إذا ما حَلَّ في المدينَهوأهلُها ذليلةٌ مَهينَهْ
٣٩٧
أقْمَعها بالخيل والرّجالِمن غيرِ ما حربٍ ولا قِتالِ
٣٩٨
وكان من أوَّل شيءٍ نظرافيه وما رَوى له ودبّرا
٣٩٩
تَهدُّمٌ لِبابِها والسُّورِوكانَ ذاك أحسنَ التّدبيرِ
٤٠٠
حتّى إذا صيَّرها بَراحاوعاينوا حريمَها مُباحا
٤٠١
أقرَّ بالتَّشييدِ والتَّأسيسِفي الجبَلِ النَّامي إلى عَمروسِ
٤٠٢
حتّى استوى فيا بناءٌ مُحكمُفحَلَّه عاملُه والحشمُ
٤٠٣
فعِندَ ذاكَ أَسلَمَت واستسلمتمدينةُ الدِّماء بعدما عَنَتْ
٤٠٤
فيها مَضى عبدُ الحميد مُلتئمْفي أهبةٍ وعُدَّةٍ من الحَشَمْ
٤٠٥
حتّى أتى الحصنَ الّذي تقلَّعايحيى بن ذي النُّون به وامتنعا
٤٠٦
فحطَّه من هَضَباتِ ولبِمن غيرِ تعْنيتٍ وغيرِ حَرْبِ
٤٠٧
إلَّا بتَرْغيبٍ له في الطاعَهْوفي الدخولِ مَدْخلَ الجماعَهْ
٤٠٨
حتّى أتى بهِ الإمامَ راغبافي الصَّفح عن ذُنوبهِ وتائبا
٤٠٩
فصفحَ الإمامُ عن جنايتِهْوقَبِلَ المبذولَ من إنابتِهْ
٤١٠
وردَّه إلى الحُصونِ ثانياًمُسجّلاً له علَيها والِيا
٤١١
ثمَّ غزا الإمامُ ذو المَجدَينِفي مُبتدا عشرينَ واثنتينِ
٤١٢
في فَيلقٍ مُجمهَرٍ لُهامِمُدَكدِكِ الرّؤوسِ والأكامِ
٤١٣
حافُ الرُّبى لزَحْفِه تَجيشُتَجيشُ في حافاتهِ الجيوشُ
٤١٤
كأَنَّهم جِنٌّ على سَعاليوكُلُّهم أمضَى منَ الرِّئبالِ
٤١٥
فاقتحموا مُلوندةً ورومَهْومن حَواليها حصونُ حيمه
٤١٦
حتَّى أتاهُ المَارقُ التّجيبيمُستجدياً كالتائِب المُنيبِ
٤١٧
فخصَّه الإمامُ بالتّرحيبِوالصَّفحِ والغُفرانِ للذُّنوبِ
٤١٨
ثمّ حَباهُ وكَساهُ ووَصَلْبشاحجٍ وصاهلٍ لا يُمْتَثلْ
٤١٩
كلاهُما من مَرْكبِ الخَلائفِفي حِلْيةٍ تُعْجِزُ وصفَ الواصفِ
٤٢٠
وقال كُن منَّا وأوطنْ قُرْطبهنُدنيكَ فيها من أجلِّ مَرْتبه
٤٢١
تكنْ وزيراً أَعظمَ الناسِ خَطَرْوقائداً تَجبي لنا هذا الثَّغَرْ
٤٢٢
فقال أنّي ناقِهٌ من عِلَّتيوقد تَرى تغيُّري وصُفْرتي
٤٢٣
فإن رأيتَ سيّدي إمْهاليحتّى أرمَّ من صَلاحِ حالي
٤٢٤
ثمَّ أُوافيكَ على استِعجالِبالأهلِ والأَولادِ والعِيالِ
٤٢٥
وأَوثَقَ الإمامَ بالعهودِوجَعَلَ اللَّهَ منَ الشُّهودِ
٤٢٦
فَقبِلَ الإمامُ من أَيمانِهِوردَّه عفواً إلى مكانِهِ
٤٢٧
ثم أَتتهُ ربَّةُ البَشاقصِتُدْلي إِليه بالودادِ الخالصِ
٤٢٨
وأَنّها مُرْسلةٌ من عندهوجَدّها متّصلٌ بجَدِّهِ
٤٢٩
واكتفلتْ بكُلِّ بَنْبلونيوأَطلقت أَسرى بني ذي النُّونِ
٤٣٠
فأَوعدَ الإِمامُ في تَأمينهاونَكَّبَ العسكرَ عن حُصونها
٤٣١
ثمّ مَضَى بالعزِّ والتَّمكينِوناصراً لأهلِ هذا الدِّينِ
٤٣٢
في جُملة الرّاياتِ والعساكرِوفي رِجال الصَّبرِ والبَصائرِ
٤٣٣
إِلى عِدَى اللّهِ منَ الجلالِقِوعابدِي المَخلوقِ دونَ الخالقِ
٤٣٤
فدمَّروا السُّهولَ والقِلاعاوهَتكوا الرُّبوعَ والرِّباعا
٤٣٥
وخَرَّبوا الحُصونَ والمَدائِناوأَقفروا من أهلها المَساكِنا
٤٣٦
فليسَ في الدِّيارِ من ديّارِولا بها من نافخٍ للنَّارِ
٤٣٧
فغادروا عُمْرانَها خراباوبَدَّلوا رُبوعها يَبابا
٤٣٨
وبالقِلاعِ أَحْرقوا الحُصوناوأَسْخَنوا من أَهلها العيونا
٤٣٩
ثمّ ثنى الإمامُ من عِنانِهِوقد شَفى الشَّجيَّ من أشجانِهِ
٤٤٠
وأمَّنَ القفارَ من أنجاسهاوطَهَّرَ البلادَ من أرْجاسِها
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.