الشعر الفصيح والنبطي
وكلمات الأغاني

ارم ذات العماد

بدر شاكر السيابالعصر الحديث · توفي ١٬٩٦٤م · ١٧٤ قصيدة
٣ قراءة
١
من خَلَلِ الدُّخان من سيكاره،من خلل الدخانْ
٢
من قَدَحِ الشاي وقد نشَّر، وهو يلتوي، إزارَهليحجبَ الزمان والمكانْ،
٣
حدثنا جدُّ أبي فقال: «يا صغارْ،مقامرًا كنتُ مع الزمانْ،
٤
نقودي الأسماكُ، لا الفضةُ والنضارْ،والورَق الشِّباك والوِهار.
٥
وكنتُ ذات ليلهكأنما السماء فيها صَدَأٌ وقار،
٦
أصيدُ في الرُّميلهفي خورها العميق، أسمعُ المحارْ
٧
موسوسًا كأنما يبوح للحصى وللقِفاربموطن اللؤلؤةِ الفريده،
٨
فأُرهفُ السَّمعَ لعلي أسمع الحوارْ.وكان من ندى الخريف في الدجى بُروده
٩
تدبُّ منها رعشةٌ في جسدي فأسحبُ الدِّثارْ.وانفرجَ الغيمُ فلاحتْ نجمةٌ وحيده
١٠
ذكرتُ منها نجمتي البعيدهتنام فوق سطحها وتسمعُ الجِرارْ
١١
تنضحُ (يا وقْعَ حوافرٍ على الدروبْفي عالم النُّعاس، ذاك عنترٌ يجوب
١٢
دجى الصحارى. إن حيَّ عبلةَ المزارْ).فسرتُ والسماءُ وجهتي، ولا دليلْ،
١٣
أرقب نجمها الوحيد، والشُّعاعْيخفت أو يؤجُّ مانعًا ومانحًا، وكالشِّراع
١٤
ترفع أو تحطُّه الرياحُ في الصِّراع.أسرتُ ألف خطوة؟ أسرتُ ألفَ ميلْ؟
١٥
لم أدرِ إلا أنني أمالني السَّحَرْإلى جدار قلعةٍ بيضاء من حَجَرْ،
١٦
كأنما الأقمارُ منذ ألفِ ألفِ عامْكانت له الطِّلاءْ،
١٧
كأنما النجوم في المساءْسلنَ عليه ثمَّ فاض حوله الظلامْ.
١٨
وسرتُ حول سورها الطويلْأعدُّ بالخطى مداه (مثلَ سندبادْ
١٩
يسير حول بيضة الرُّخِّ ولا يكاديعود حيث ابتدأَ
٢٠
حتى تغيب الشمس، غشى نورَها سوادْ،حتى إذا ما رفع الطرْفَ رأى … وما رأى؟)
٢١
حتى بلغتُ في الجدار موضعَ العمادْتقوم فيه، كالدُّجى، بوابةٌ رهيبه
٢٢
غلَّفها الحديدُ، مدَّ حولَها نحيبهأراه بالعيون لا تَحسُّه المسامعُ.
٢٣
وقفتُ عندها أدقُّ …يا صدًى أراجعُ
٢٤
أنت من المقابر الغريبه؟أُحسُّ في الصدى
٢٥
برودةَ الرَّدى،أشمُّ فيه عفنَ الزَّمان والعوالمِ العجيبه
٢٦
من إرَمٍ وعادْ.وحين كلَّ ساعدي
٢٧
وملَّني الوقوفُ في الظلامْ(كناسكٍ، كعابدِ
٢٨
يرفضُه الإلهُ في معبده، يظل لا ينامولا يريد الماء والطعامْ،
٢٩
يصيحُ: «كن على الهوى مساعدييا رافعَ السماء، يا موزِّعَ الغمام.»)
٣٠
جلستُ عند بابها كسائلٍ ذليلْجلستُ أسمع الصدى، كأنه العويلْ،
٣١
يلهثُ خلفَ حائطٍ من حَجَر ثقيلْ.كأنَّ بين دَقَّةٍ ودقة يمرُّ ألف عامْ
٣٢
وما أجاب العدمُ الخواءْ.وحين أوشك الصباح يهمس الضياءْ
٣٣
نعستُ، نمتُ … واستفقتُ: مر ألفُ جيلْ!الشمسُ والفلاه
٣٤
والغيْمُ والسماءْوكل ما أراه
٣٥
هناك حيث كان سورُها، المياهتشعُّ في الخليج.»
٣٦
وقال جدُّنا ولجَّ في النشيج:«ولن أراها بعدُ، إن عمريَ انقضى
٣٧
وليس يُرجع الزمان ما مضى.سوف أراها فيكمُ، فأنتم الأريج
٣٨
بعد ذبول زهرتي، فإن رأى إرمواحدُكم فليطرقِ البابَ ولا ينمْ.
٣٩
إرَمْ …في خاطري من ذكرها ألمْ،
٤٠
حُلمُ صباي ضاعَ … آهِ ضاع حين تمَّوعمري انقضى.»

المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.

عن بدر شاكر السياب

شاعر عراقي ارتبط اسمه بقرية جيكور جنوبي البصرة، حيث نشأ وعاش في بيتها الذي صار علامة على سيرته. يُعد واحدًا من مؤسسي الشعر الحر في الأدب العربي، ومن الشعراء المشهورين في الوطن العربي خلال القرن العشرين. كتب كلمات أغانٍ غنّاها مطربون عرب، منها «أنشودة المطر» و«لا تزيده لوعة».

قصائد أخرى لـبدر شاكر السياب الكل

أبلغ عن خطأ في القصيدة