الشعر الفصيح والنبطي
وكلمات الأغاني
١
إليكَ فما الدّنيا وإن عُظِّمت قدراًسوى الدمنةِ الخضراءِ والمحنةِ الكُبرى
٢
ديارٌ براها الله قدماً لحكمِهِمغيَّبةً عنَّا وأوهبَها عُمرا
٣
وأنشأ منها الخلقَ أمراً يُريدُهُوأودعَهم فيها إلى النشأةِ الأُخرى
٤
وأجرى عليهم ما يريدُ وقوعَهُوألهمَهمْ صبراً وواعدَهُمْ أجرا
٥
وفوَّضَ فيها الأمرَ حكماً لنفسِهِوأتقنَها صُنعاً وأوسعَها برَّا
٦
فهيكلُها يسبي العقولَ تعجُّباًومنظرُها الأسنى نحيرُ به فِكرا
٧
تتيهُ بما قد خصَّها من محاسنٍمعطَّرةِ الأرجاءِ طيَّبةٍ نَشْرا
٨
وفي كلِّ وقتٍ إنْ نظرتَ لشكلِهاتقولُ سلاماً هذه الجنَّةُ الصُّغْرى
٩
مطالعُ أنوارٍ مشارقُ بهجةٍمعارجُ أسرارٍ نميلُ بها سُكرا
١٠
نجومٌ وأفلاكٌ تظلُّ جوارياًمدى الدهرِ لا تنحلُّ يوماً ولا تَبرا
١١
شموسٌ وأقمارٌ تغيبُ وتنجليعلينا مدى الأيامِ في القبّةِ الخضرا
١٢
رياضٌ وأزهارٌ طيورٌ سواجعٌفواكهُ أشجارٍ نزيدُ بها شُكرا
١٣
عيونٌ وأنهارٌ تسيلُ جوارياًكما الفضةُ البيضاءُ نُفشي بها السِّرا
١٤
مآكلُ أقواتٍ مشاربُ لذَّةٍمطاعمُ لن نسطعْ لأنواعِها حَصرا
١٥
ديارٌ براها اللهُ نزهةَ ناظرٍوطهَّرها بطناً وشرَّفها ظَهْرا
١٦
فمِنْ أرضِها الياقوتُ يُخلقُ في الثَّرىومنها نَرى البيضاءَ تخرجُ والصَّفرا
١٧
معادنُ أحجارٍ منابتُ فضَّةٍمواطنُ أبرارٍ تتيهُ بها فَخْرا
١٨
ولكنَّها تفنى ويَبلى نعيمُهاوترجعُ بعدَ اليأسِ من حملِها قَفرا
١٩
وفي كلِّ قرنٍ إن نظرتَ لشأنِهاتُرحِّلُ مَنْ فيها وتنثرهُمْ نَثرا
٢٠
وتأتي بأقوامٍ وتفعلُ فعلَهافلا خالدٌ تبقيهِ حَيَّاً ولا بَكرا
٢١
فلا خيرَ في دارٍ بها الموتُ قاطنٌيُراقبُ أهليها وإنْ مُلئتْ دُرّا
٢٢
ولسنا نرى الأفعالَ منها حقيقةًفذلكَ مما يُوجبُ المَينَ والكُفرا
٢٣
فليسَ لغيرِ اللهِ فيها تصرفٌإلهٌ تعالى يَخلقُ النفعَ والضَّرا
٢٤
تدورُ بها الأفلاكُ طبقَ قضائِهِتباركَ من مولىً إذا ما قَضى أمْرا
٢٥
فلا زحلٌ في الكونِ يأتي بمحنةٍولا منحةٌ في الدهرِ تأتي بها الزّهرا
٢٦
لِدُنيا براها اللهُ جنَّةَ كافرٍوأودعَ فيها الموتَ سيَّانِ والفَقرا
٢٧
وأرسلَ كلبَ الجوعِ فيها على الورىعدوّاً فلم يقبلْ لمعتذرٍ عُذرا
٢٨
يصولُ على المخلوقِ صولةَ فاتكٍإذا لم يجدْ قوتاً فيقتلهُ جَهْرا
٢٩
فمنْ خوفهِ الإنسانُ يصبحُ ناصباًشياكاً لصيدِ القوتِ أنواعُها تَترى
٣٠
فيجمعُ منها المرءُ بالكدِّ والشقاليدرأ بالمجموعِ عن نفسهِ الشرّا
٣١
وَمن أجلِهِ الإنسانُ يُلقي بنفسِهِعياناً على المكروهِ في حالةِ العُسرى
٣٢
فهذا هُو الداءُ الذي حيَّرَ الورىوأمسَتْ به الحوباءُ تستَعبدُ الحُرّا
٣٣
قديمةُ عهدٍ في الوجودِ وإنَّنالنحسبُها من وشيِ بُرقعها عُذرا
٣٤
فكانت وشيطابيل حرباً لآدمٍعجوزاً لحاها اللهُ تستنبطُ السِّحرا
٣٥
تخيلُ للأبصارِ حتَّى وإنَّنالنحسبُ طيرَ الماءِ مِن سحرِها صَقرا
٣٦
ونحسبُ أنَّ الهرَّ من فرطِ سحرِهاإذا عاينَ الجرذانَ مِن هرةٍ نمرا
٣٧
شديدةُ بطشٍ لا تملُّ تقلُّباًفلا عيشُها يصفو ولا جُرحُها يَبرا
٣٨
فكم غيبتْ في الأرضِ وجهاً منعماًوكم كسفَتْ شمساً وكم خَسفَتْ بدرا
٣٩
وكم عفّرتْ بالتربِ خداً مورداًوكم أحرقَتْ قلباً وكم صعَّدتْ زَفرا
٤٠
وكم خيّلت سِحراً وألقتْ حبالَهاوأفنتْ جيوشاً مثلَ داحسَ والغبرا
٤١
وكم رفعتْ في الدهرِ قوماً على الهَباوكم نصبَتْ قوماً ولكن على الإغرا
٤٢
وكم حلَّ فيها من أناسٍ تقدّمواوهاموا بها عشقاً وتاهُوا بها فخْرا
٤٣
تلاهَوا عن الأُخرى ومالوا معَ الهوىوغرّتهمُ الدّنيا بزخرفِها قَسْرا
٤٤
فراحوا ولم ندرِ بماذا يُقابَلوامن الواحدِ القهّارِ في باطنِ الغبرا
٤٥
فإنْ كان فيما أسلفوهُ فبالحريوإنْ كانَ بالغفرانِ فهوَ بهِ أحرى
٤٦
دخلْنا إليها مُكرَهين ولم نَزلْحَيارى بها والمرءُ من شأنِه الحَيرا
٤٧
ونخرجُ منها جاهلينَ لأنَّهاهي الروضةُ الغنَّاءُ والحيَّةُ البَتْرا
٤٨
فديتُك خلِّ العقلَ عنكَ وَنَحِّهِفليسَ لهُ فيها مجالٌ ولا قدرا
٤٩
تخالفَتِ الأقوالُ فيها تبايُناًفلا أحدٌ مِنّا أحاطَ بِها خُبْرا
٥٠
فما هيَ إلّا دهشةٌ تصرعُ الحجىوحرفٌ غريبٌ في الحروفِ فلا يُقرا
٥١
بها مرضٌ أعيا الأطباء والرُّقىمتى صادفَت شخصاً فتنوي له الغَدرْا
٥٢
وإنْ أبصَرتْ في الحيِّ ظبياً مُنعَّماًفَتَصلي له فَخاً وتُوقع بهِ الشَّفْرا
٥٣
وإن عاينتْ كبشاً غريباً فتَنثَنيوتصنع لهُ طوقاً وتَبني لهُ قصْرا
٥٤
تُعربدُ مهما مسَّها من سفاهةٍفتحسبُها من سوءِ أفعالِها سَكرى
٥٥
متى دخلت للسرِّ تبغي طهارةًفتدخلُ باليُمنى وتَخرجُ باليُسرى
٥٦
وإن وقفتْ ليلاً تصلِّي فريضةٌفتنوي قبيلَ الفرضِ من جهلِها الوِترا
٥٧
تستِّر أعلاها بفاضِلِ بُردِهاوتكشفُ عمَّا يوجبُ الصَّونَ والسّترا
٥٨
تميلُ مع العشَّاقِ ميلةَ عاهرٍفتوسعُهم صَفعاً وتقتلُهمْ قهْرا
٥٩
وتُبدي لهم دلّاً يذلُّ له الفَتىوتوعدُهُم وصلاً وتنجزُهم حَسرا
٦٠
فما هيَ إلّا جيفةٌ وكِلابُهاعليها مدى الأيّامِ تلقى لهم هَمْرا
٦١
فإن واصلَتْنا بالكمال فمرحباًوإن صارمَتنا بالمَلالة فالعقرا
٦٢
فلا يأسَفِ الإنسانُ إنْ هيَ أدبَرتْعليها فلا واللهِ إنْ نَبعَتْ دُرَّا
٦٣
فما هيَ دارٌ للخلودِ وإنَّمابَراها لتلكَ الدارِ فاطِرُها جِسْرا
٦٤
هبطنا عليها واللعينُ رفيقُنابأمرٍ قضاه اللهُ قد حيَّر الفِكْرا
٦٥
وسلَّطه قهراً على الناسِ قولهُوأجلي عليهم فهي موعظةٌ أُخرى
٦٦
تعوّضها الملعونُ صفقةَ خاسرٍعنِ الجنَّةِ الفيحا ليملأَها وِزرا
٦٧
فصارتْ لهُ داراً مقيلاً وأهلُهاعبيداً سوى أبناءِ ضرَّتِها الأُخرى
٦٨
يصول بها شرقاً وغرباً وقبلةًولم يُبقِ برّاً مِنْ أذاهُ ولا بَحْرا
٦٩
ويجري ببعضِ الناس مجرى دمائِهمفيملأهُم فسقاً ويشحنُهم كِبرا
٧٠
فهذا هوَ الأصلُ الذي جلبَ العَنالوالِدنا فيما أساءَ بهِ مَكْرا
٧١
وحتّى منَ الجنّاتِ أخرجَ عارياًوقد كانَ فيها لا يجوعُ ولا يَعرى
٧٢
وصيَّرنا فيما تراهُ من البلابدارِ هوانٍ تُنبتُ الخمطَ والسِّدرا
٧٣
متى ضحكتْ يوماً تريكَ مودَّةًفتبكيكَ فيما تبتليكَ بهِ شَهْرا
٧٤
وإن أنعَمتْ عفواً عليكَ بنعمةٍفتأتيكَ بالمكروهِ في صورةٍ أُخرى
٧٥
نُعاني بها الأهوالَ في كُلِّ شدَّةٍإذا حسَرتْ أكمامَها أنشبَتْ ظِفرا
٧٦
ونهضمُ فيها كلَّ شخصٍ مبددٍثقيلٍ يرضُّ الصخر إن وطئَ الصَّخرا
٧٧
وفيها ضباعٌ تأكلُ الميتَ جهرةًوتعدو على الأعظامِ تتسوَّرُ القبرا
٧٨
وفيها ذئابٌ مع وحوشٍ كواسرٍوفيها ارتوت تملأ السَّهلَ والوعرا
٧٩
وفيها حدأةٌ تخطفُ اللحمَ دائماًوتعلو على الأشجارُ تستعمل الوَكرا
٨٠
وفيها أناسٌ بالصلاحِ تلبَّسواولكنَّهُمْ بالمكرِ فاقوا أبا مُرَّا
٨١
فمنهمْ شديدُ المكرِ يسعى بعمةٍلها عذبة للنَّصب يبغي بها الجرّا
٨٢
فيأتي إلى النزهاتِ قانصَ سبحةٍبيمناهُ والتلبيس مالئ به العُسرى
٨٣
أكولٌ متى ما شامَ قِدراً مُعرَّماًفيأكلُ أكلاً بالغاً يحسف القدرا
٨٤
ومنهم أناسٌ بالطَّريق تلبَّسوايرومون جرَّ المالِ بالعمَّةِ الصَّفرا
٨٥
فمنهم نَرى الدجَّالَ يُبدي ذوائباًويَمشي كمشي الضُّلِّ بالشالةِ الحمرا
٨٦
فيرجو بها المضروبَ في الشام عاجلاًويطمعُ بالمسكوكِ فيما يلي مِصرا
٨٧
وإن رُمتُ أستقصي مظاهرَ قُبحهاوأنواعَهم في الكون تلوي بي الكَثْرا
٨٨
فأيُّ سرور يلحقُ المرءَ في الدُّناوفيها رزايا لا نُطيقُ لها ذِكْرا
٨٩
فما هي إلّا حسرةٌ وندامةٌيراها غدُ الإنسانِ من باطنِ الغبرا

المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.

قصائد أخرى لـعبد الرحمن الموصلي الكل

على البحر والقافية نفسيهما

أبلغ عن خطأ في القصيدة