١
قالوا وَلَم يلعبِ الزَمان بِبَغداد وَتعثُر بِها عَواثرُها
٢
إِذ هيَ مثل العَروس باطِنُهامشوّق لِلفَتى وَظاهرها
٣
جَنّةُ خلد وَدار مَغبَطةٍقلّ مِن النائِبات واترها
٤
دَرّتُ خلوفُ الدنيا لِساكِنهاوَقَلَّ معسورها وَعاسرها
٥
واِنفرجت بالنَعيم واِنتَجعتفيها بِلَذَّاتها حواضرها
٦
فالقَومُ منها في روضة أُنفٍأَشرق غِبَّ القِطار زاهرُها
٧
من غَرَّهُ العَيش في بُلَهنيةٍلَو أَنَّ دنيا يَدوم عامرها
٨
دارُ مُلوك رست قواعدهافيها وَقَرَّت بِها مَنابرها
٩
أَهل العُلا وَالنَدى وَأَندِيَة الفخر إِذا عددت مَفاخِرها
١٠
أَفراخُ نعمى في ارث مملكةشدّ عراها لَها أَكابرها
١١
فَلَم يَزَل وَالزَمان ذو غَيرٍيَقدح في ملكها أَصاغرها
١٢
حَتّى تَساقَت كأساً مثمِّلَةًمِن فتنة لا يُقالُ عاثِرها
١٣
واِفتَرَقَت بعد أُلفة شيِعاًمَقطوعَةً بَينَها أَواصرها
١٤
ياهل رأيت الأَملاكَ ما صنعتإِذ لَم يَرعُها بالنصح زاجرها
١٥
أَورد أملاكُنا نفوسَهُمهُوَّةَ غيّ أَعيَت مَصادِرُها
١٦
ما ضَرَّها لَو وفت بموثقهاواِستَحكَمَت في التُقى بَصائِرُها
١٧
وَلَم تسافك دِماء شيعَتِهاوَتبتَعِث فتية تكابرها
١٨
وَأَقنعَتها الدُنيا التي جمعتلَها وَرُعبُ النُفوس ضائِرها
١٩
ما زال حوض الأَملاك يحفِرهمسجورها بالهَوى وَساجِرها
٢٠
تَبغي فُضول الدُنيا مكاثرةًحَتّى أُبيحَت كَرهاً ذَخائرها
٢١
تَبيع ما جمع الأبوّة للأَبناء لا أُربحت متاجرها
٢٢
يا هَل رأَيت الجِنانَ زاهِرَةًيَروق عَين البَصير زاهرها
٢٣
وَهَل رَأَيت القُصور شارِعَةًتَكُنّ مثل الدُمى مقاصرها
٢٤
وَهَل رأَيت القُرى الَّتي غرس الأَملاكُ مخضرّةً دساكرها
٢٥
مَحفوفَةً بالكروم وَالنخل وَالرَيحان ما يَستَقِلّ طائِرها
٢٦
فانها أَصبحَت خَلايا من الإِنسان قَد أُدميت مَحاجرها
٢٧
قَفراً خَلاءً تَعوى الكِلاب بِهاينكر منها الرسوم زائِرها
٢٨
وَأَصبَحَ البؤس ما يُفارِقُهاإِلفا لَها وَالسُرور هاجرها
٢٩
بزندوردَ وَالياسِريَّةِ وَالشططَينِ حَيث اِنتهَت مَعابرها
٣٠
وَبِالرَحى وَالخَيزَرانيَّة العَليا إِلي أَشرفت قَناطِرها
٣١
وَقَصر عَبدُوَيه عِبرَةٌ وَهُدىًلِكُلِّ نفس زكت سَرائرُها
٣٢
فَأَينَ حُرّاسُها وَحارِسهاوَأَينَ مجبورها وَجابِرُها
٣٣
وَأَين خِصيانها وَحشوَتِهاوَأَينَ سكّانها وَعامرها
٣٤
أَينَ الجَراديَةُ الصقالب والأَحبش تَعدو هدلاً مشافرها
٣٥
يَنصدع الجند عَن مواكبهاتَعدو بِها سرّبا ضَوامرها
٣٦
بالسند وَالهِند وَالصَقالِب والنوبة شَيبت بِها برابرها
٣٧
طَيراً أَبابيلَ أُرسلت عبثاًيقدَم سودانها أَحامرها
٣٨
أَينَ الظِباءُ الأَبكارُ في رَوضَة الملك تَهادى بِها غَرائرها
٣٩
أَينَ غضاراتها وَلذّتهاوَأَينَ محبورها وَحابرها
٤٠
بالمسك وَالعَنبَر اليَمانيّ واليلنجوج مشبوبة مجامرها
٤١
يرفلن في الخَزّ وَالمَجاسِد والموشيّ محطومة مزامرها
٤٢
فَأَينَ رقاصُها وَزامرهايجبن حيث اِنتَهَت حَناجرها
٤٣
تَكادُ أَسماعهم تُسَكُّ إِذاعارض عيدانَها مَزاهِرُها
٤٤
أَمسَت كَجَوفِ الحِمار خاليَةًيُسَعِّرها بالجَحيم ساعرها
٤٥
كَأَنَّما أَصبَحَت بساحتهمعادٌ ومسَّتهُم صراصرها
٤٦
لا تَعلَم النَفس ما يُبايتهامِن حادث الدهر أَو يُباكرها
٤٧
تُضحي وَتُمسي دَريّةً غَرَضاًحيث اِستَقَرَّت بِها شراشرها
٤٨
لأسهُمِ الدهر وَهوَ يَرشُقهامحنطها مَرّة وَباقرها
٤٩
يا بؤسَ بَغداد دار مَملَكةدارَت عَلى أَهلِها دَوائرها
٥٠
أَمهَلَها اللَهُ ثُمَّ عاقَبَهالَمّا أَحاطَت بِها كَبائرها
٥١
بالخسف وَالقَذف وَالحَريق وَبالحرب الَّتي أَصبحت تساورها
٥٢
كَم قَد رَأَينا مِن المَعاصي بِبَغدادَ فَهَل ذو الجَلال غافِرُها
٥٣
حَلَّت بِبَغدادَ وَهيَ آمِنَةٌداهيَةٌ لَم تَكُن تُحاذرها
٥٤
طالعها السوء من مطالعهوَأَدرَكَت أَهلَها جرائرها
٥٥
رقّ بِها الدين واسُخِف بِذي الفضل وعزَّ النسّاكَ فاجرها
٥٦
وَخطّم العَبدُ أَنفَ سَيِّدهبالرَغم وَاستُعبدت حَرائرها
٥٧
وَصار ربَّ الجيران فاسقُهموابتَزَّ أَمرَ الدروب ذاعرها
٥٨
مَن يَرَ بَغداد وَالجُنودُ بِهاقَد ربّقت حَولها عساكرها
٥٩
كُلَّ طحون شَهباءَ باسِلَةٍتُسقط أَحبالها زماجرها
٦٠
تلقي بغيّ الرَدى أَوانسهايُرهقها للّقاء طاهرها
٦١
وَالشَيخ يَعدو حزماً كَتائبهيقدم أَعجازها يعاورها
٦٢
وَلزهير بالفرك مأسدةمرقومة صُلبَةٌ مكاسرها
٦٣
كَتائب المَوت تَحتَ أَوليةأَبرَح منصورها وَناصرها
٦٤
يَعلَم أَنَّ الأَقدار واقِعَةوقعاً على ما أَحَبَّ قادرها
٦٥
فَتِلكَ بَغداد ما تبنّى مِن الذّله في دورها عصافرها
٦٦
مَحفوفَة بِالرَدى منطّقةبالصغر مَحصورة جَبابرها
٦٧
ما بَينَ شط الفُرات منه إِلىدجلة حيث انتهت معابرها
٦٨
نار كَهادي الشَقراء نافرةتَركُض مِن حَولِها أَشاقرها
٦٩
يُحرِقها ذا وَذاكَ يَهدِمهاوَيشتَفي بالنِهاب شاطرها
٧٠
وَالكوخُ أَسواقُها معطَّلةيستنَّ عيّارُها وَعائرها
٧١
أَخرجت الحَرب من سَواقطهاآسادَ غيل غُلباً تُساورها
٧٢
من البَواري تراسها ومن الخوص إِذا استلأمت مغافرها
٧٣
تَغدو إِلى الحَرب في جَواشنها الصوف إِذا ما عَدَّت أَساورها
٧٤
كَتائِب الهرش تَحتَ رايَتَهِساعد طرّارها مَقامرها
٧٥
لا الرزق تَبغي وَلا العَطاء وَلايحشِرُها للّقاء حاشرها
٧٦
في كُلِّ دَرب وَكُلِّ ناحيَةخطّارَةٌ يستهلّ خاطرها
٧٧
بمثل هام الرِجال من فلق الصخر يزود المقلاع بائرها
٧٨
كَأَنَّما فَوقَ هامها فِرقمن القطا الكُدر هاج نافرها
٧٩
وَالقَوم مِن تَحتِها لَهُم زجلوَهيَ ترامي بها خَواطرها
٨٠
بَل هَل رَأَيت السُيوف مصلتةًأَشهَرَها في الأَسواقِ شاهرها
٨١
وَالخَيل تستنَّ في أَزِقّتهابالتُركِ مسنونة خَناجرها
٨٢
وَالنفط وَالنار في طرائقهاوهابياً للدخان عامرها
٨٣
وَالنهب تعدو بِهِ الرِجال وَقَدأَبدَت خَلاخيلَها حَرائرها
٨٤
معصوصبات وسط الأَزِقّة قَدأَبرزها لِلعُيون ساتِرها
٨٥
كُلُّ رَقودِ الضحى مخبّأةلَم تُبدِ في أَهلِها محاجرها
٨٦
بيضةُ خدر مَكنونةٌ برزتلِلناس مَنشورة غَدائرها
٨٧
تعثُر في ثَوبِها وتعجلهاكبّةُ خَيل ريعت حَوافرها
٨٨
تَسأل أَينَ الطَريقُ والهةًوَالنارُ من خَلفِها تبادرها
٨٩
لَم تجتَلِ الشَمسُ حسنَ بهجتهاحَتّى اجتلتها حَربٌ تُباشرها
٩٠
يا هَل رَأَيت الثكلى مولولةًفي الطُرق تَسعى وَالجهد باهرها
٩١
في إِثرِ نَعش عليه واحدُهافي صدره طَعنَةٌ تساورها
٩٢
فَرغاء ينقي الشنار مربدهايَهُزّها بالسنان شاجرها
٩٣
تنظر في وَجهه وَتَهتف بالثكل وَجاري الدُموع حادرها
٩٤
غَرغَرَ بِالنَفس ثُمَّ أَسلمهامَطلولةً لا يُخاف ثائرها
٩٥
وَقَد رَأَيت الفِتيان في عَرصة المعرك معفورةً مناخرها
٩٦
كُلّ فَتىً مانع حَقيقتَهتَشقى به في الوَغى مساعرها
٩٧
باتَت عَليهِ الكِلابُ تَنهَشُهمَخضوبةً من دَمٍ أَظافرها
٩٨
أَما رَأَيتَ الخُيولَ جائِلَةًبالقَوم مَنكوبَةً دَوائرها
٩٩
تَعثُر بِالأَوجه الحِسان من القَتلى وغلّت دماً أَشاعرها
١٠٠
يَطأنَ أَكباد فتية نُجُدٍيَفلِقُ هاماتهم حَوافرها
١٠١
أَما رَأَيت النِساءَ تَحتَ المَجانقِ تعادى شعثاً ضَفائرها
١٠٢
عَقائل القَوم وَالعَجائِز والعنَّس لَم تُحتَبر معاصرها
١٠٣
يَحمِلنَ قوتاً مِن الطَحين عَلى الأَكتاف مَعصوبة معاجرها
١٠٤
وَذات عَيش ضنك ومقعسةتشدَخها صَخرة تعاورها
١٠٥
تَسأل عَن أَهلِها وَقَد سُلِبَتواتبُزّ عَن رأسها غَفائرها
١٠٦
يا لَيتَ شِعري وَالدَهر ذو دوليرجى وَأُخرى تَخشى بوادرها
١٠٧
هَل تَرجعن أَرضُنا كَما غَنَيتوَقَد تَناهَت بِنا مَصائرها
١٠٨
من مبلغٌ ذا الرِياستين رَسالاتٍ تأتّى لِلنُصح شاعرها
١٠٩
بأَنَّ خَيرَ الولاة قَد علم الناس إِذا عُدّدت مآثِرها
١١٠
خَليفَةُ اللَه في بريته المأمون منتاشها وَجابرها
١١١
سمت إِلَيهِ آمال أُمَتهمُنقادةً بَرّها وَفاجرها
١١٢
شاموا حيا العدل من مخايلهوَأَصحرت بالتُقى بَصائرها
١١٣
وَأحمدوا منك سيرَةً جَلَتِ الشَكَّ وَأُخرى صَحَّت مَعاذرها
١١٤
واستَجمعت طاعَةً برفقك للمأمون نجديُّها وَغائرها
١١٥
وَأَنتَ سَمعٌ في العالَمين لهوَمُقلَةٌ ما يَكِلّ ناظرها
١١٦
فاشكر لذي العرش فضلَ نعمتهأَوجب فضل المَزيد شاكرها
١١٧
واحذر فداء لك الرَعيَّة والأَجنادُ مأمورها وآمرها
١١٨
لا تَرِدَن غمرةً بنفسك لايَصدرُ عَنها بِالرأي صادرها
١١٩
عليك ضحضاحها فلا تلج الغمرة مُلتَجّةً زَواخِرُها
١٢٠
وَالقصد أَنَّ الطَريق ذو شعبأشأمُها وَعثها وَجائرها
١٢١
أَصبَحتَ في أُمَّة أَوائِلُهاقَد فارقت هديها أَواخرها
١٢٢
وَأَنت سَرسورها وَسائسهافَهَل عَلى الحَقّ أَنتَ قاسرها
١٢٣
أَدّب رِجالاً رأيت سيرَتهمخالف حكمَ الكتابِ سائرها
١٢٤
واِمدُد إِلى الناس كفّ مرحمةتُسَد منهم بِها مفاقرها
١٢٥
أَمكنك العَدلُ إِذ هَمَمتَ بِهِوَوافقت مدّه مقادرها
١٢٦
وَأَبصَرَ الناسُ قَصدَ وَجههموملّكت أُمّة أخايرها
١٢٧
تُشرِع أَعناقَها إِلَيكَ إِذا السادات يَوماً جمّت عَشائرها
١٢٨
كَم عِندَنا مِن نَصيحة لك في اللمه وَقُربى عزّت زَوافرها
١٢٩
وَحُرمَةٍ قَرّبت أَواصرهامنك وَأُخرى هَل أَنتَ ذاكرها
١٣٠
سَعي رِجال في العلم مطلبهمرائحها باكر وَباكرها
١٣١
دونك غراءَ كالوَذيلة لاتُفقَد في بلدة سَوائرها
١٣٢
لا طَمَعاً قلتُها وَلا بَطَرالِكُلِّ نَفس هَوىً يؤامرها
١٣٣
سيّرها اللَهُ بالنَصيحَة والخشية فاِستُدمجت مرائرها
١٣٤
جاءَتكَ تَحكي لَك الأُمور كَمايَنشُر بزَّ التجار ناشرها
١٣٥
حمّلتُها صاحِباً أَخا ثقةيَظَلَّ عَجَباً بِها يُحاضرها
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.