١
لَقَد كانَ في بَغداد للشؤم يأَمرُعَلى فرقة من فيلق الترك جعفرُ
٢
وَكانَ له زوج وكان ركونُهإليها كَثيراً فهي تنهى وَتأمر
٣
تسمى زليخاً وَهيَ شمطاءُ فظةٌمن الناس طراً بالقَساوة تذكر
٤
وكانَ له منها فتاة جَميلةٌقَد اِشتَهَرَت واسم الجَميلةِ دلبر
٥
وَجارية في بيته شركسيةٌتسمى سُليمى وَهيَ عَذراءُ معصر
٦
مهفهفة رود كأن قوامهاقضيب من الليمون غضٌّ منوَّر
٧
لها نظر كالسيف ماض غرارُهُوَوجه كمثل الزهر أَو هو أَزهر
٨
تكاد بفرع طال منه غدائرٌثلاثٌ إذا ما أَسبلتهنَّ تعثر
٩
تَفوق عَلى بنت الأمير بحسنهاوأخلاقها فيما يقال وَيخبر
١٠
وَقَد جاءَ أن البنت دلبر نابهاعياء من الجدريّ بالمَوت ينذر
١١
فأنشب فيها الداء أَظفار فتكهوأعجز من قد كان في الطب يمهر
١٢
فَماتَت به في ميعة من شبابهاوَسيقت إلى حيث الأكابر تقبر
١٣
إلى حيث لا يرجى مآب لراحلإليه وَهَل من مورد الموت مصدر
١٤
وإن الَّذي قاسَت زليخا من الأسىعَلى دلبرٍ فوق الَّذي يُتصور
١٥
بكتها سليمى بالدموع غَزيرةوَباتَ عليها قلبُها يتفطر
١٦
وَلكن بكاها المستمر لحزنهاعَلى دلبرٍ ما كانَ يُجدي وَيثمر
١٧
فإن زليخا كلما بصرت بهاأحست بنار في الجوانح تسعر
١٨
فتسخط إذ لا شيء يوجب سخطهاوَتشتمها في وجهها وَتحقِّر
١٩
وَترفسها من غير ذنب برجلهاوَتوجع ضرباً بالعصا وَهيَ تصبر
٢٠
لَقَد أَشفق الخدامُ في القصر كلهمعليها ولكن من عَلى المنع يجسر
٢١
أَبت أن تراها كل يوم جميلةوَدلبر تبلى في التراب وَتدثر
٢٢
تَموت بريعان الشَبيبة بنتُهاوَتَحيا سليمى في محاسن تكثر
٢٣
تَقول أَلا لَيتَ المَنايا تجنبتفَتاتيَ واحتلت بمن تتخير
٢٤
وَلَيتَ المَنايا ما تخرَّمْنَ دلبراًوَغلْنَ سليمى فهي بالموت أَجدَر
٢٥
وَهَل ذنب هَذا الدهر إذ غال دلبراًوأَبقى سليمى في الحَياة يُكفَّر
٢٦
حَياة سليمى بعد ميتة دلبرٍمن الدهر ذنبٌ فادح لَيسَ يغفر
٢٧
فدى دلبراً بل ساعةً من حَياتهاكمثل سليمى أَلفُ بنتٍ وأكثر
٢٨
وَظَنيَ أَنَّ الموت قد كانَ قاصِداًسليمى فَقالَت إنني أنا دلبر
٢٩
وَتلك سليمى وَهي تومي لدلبرٍفخذها ورح يا موت إنك تقهر
٣٠
سليمى خدعت الموت حتى دللتهعَلى دلبرٍ إن الَّذي جئت منكر
٣١
سأجزيك شراً بِالَّذي قد عملتهمن الشر إني يا سليمي لأقدر
٣٢
أشوه وَجهاً طالَما بجمالهفتنت عيوناً نحو وجهك تنظر
٣٣
فيصبح منك الوجه قد زالَ حسنهجَميعاً وَمنه الناس أجمع تسخر
٣٤
وَصاحَت بخدامٍ لديها فجندلواسليمى كشاةٍ بالقساوة تجزر
٣٥
فقصت زليخا فرعها من أصولهوَكانَ يَزور الأرض ساعة ينشر
٣٦
وَنتفت الأهداب منها وحلَّقتحواجبَ زجاً راق منهن منظر
٣٧
سمعت عويلاً في دجى اللَيل راعنيوَعلَّ به روعَ الملائكِ أَكبر
٣٨
فَساءلتُ ما هَذا العويل فقيل ليفؤادٌ بإيقاع الأذى يتكسَّر
٣٩
وَقَد كانَت الدار الَّتي نزلوا بهاعَلى دجلة حيث المياه تحدَّر
٤٠
سليمى اِرتقَت في سطحها بعد هجعةمن الناس في الأطراف وَاللَيل مقمر
٤١
تفكِّر في اللَيل الَّذي ازدان جوهبما فيه من نجمٍ يغيب وَيظهر
٤٢
وإشراق وجه الماء بالبدر لامعاًعليه من الأنوار ثوبٌ محبَّر
٤٣
كأَنَّ الصبا ما أَولع النفس بالصباعَلى الماء آلافاً من الماس تنثر
٤٤
رأَت كل شيء في الطَبيعة غيرهاجميلاً به تجلى العيون وَتبهر
٤٥
وَلكنها دون الخَليقة كلهامن الوجه يُمحَى حسنُها وَيُغيَّر
٤٦
أَأَهرب من وجه الرَزايا إِلى الفلاإلى الغاب إن الغاب لا شك أستر
٤٧
وَلكنني لا أَهتَدي لسَبيلهفهَل من دَليل لي لدى اللَه يؤجر
٤٨
وَهب أن لي ذاكَ الدَليل وأننيهربت فهَل يألو عَن البحث جعفر
٤٩
إذا ظفرت بي عنده يد سيديفإن زليخا من عذابيَ تكثر
٥٠
وأحسن منه اللوذ بالموت إنهعَلى غيره عند الضَرورة يؤثر
٥١
فإن المَنايا لا يرجعنني إلىزليخا وإن كانَت بذلك تأمر
٥٢
أموت أَجل إني أَموت فَفي الردىنَجاتي الَّتي ما زلت فيها أفكِّر
٥٣
ألا أَيُّها البدر المنور إننيسأبلى وَبَعدي هَكَذا أَنتَ تسفر
٥٤
لأنت سَعيدٌ أيُّها البدر فالتمِعْكَما شئتَ لا زالَت بك الأَرض تزهر
٥٥
فَما لزليخا أَيُّها البدر سلطةعليك وَلا إن رقت يا بدر توتر
٥٦
وَداعا فإني أَيُّها البدر لا ترعإلى الموت من هَذا المَكان سأطفر
٥٧
وَبعدئذٍ جازى الإلهُ بعدلهبيوتاً بإيقاع الجرائر تعمر
٥٨
رمت نفسها في دجلة فاِختفت بهاكأن لم تكن شيئاً على الأرض يذكر
٥٩
تفكرت في أَمر الحَياة فَما الَّذيتعلمت منه أيها المتفكِّر
٦٠
تَرى زهرة قد أعجب العين لونهاوفاح لها في الروض عَرفٌ معطر
٦١
تهب عليها الريح من بعد ساعةفتسقط من أَوراقها وَتُبعثر
٦٢
وَتبصر عصفوراً تزين ريشهيغرد في عالي الغصون وَيصفر
٦٣
فَيَلقاه صقر ذو مخالب أَجدَلٌفيخطفه من قبل ما هو يشعر
٦٤
وَمِمّا يسلِّي النفس منيَ علمُهابأن بقاء الشيء لا يتيسر
٦٥
فيردى الَّذي قد كانَ للغير مردياًوَيقهر من قد كانَ لِلناس يقهر
٦٦
وَلَم تكن الأشياء تفنى وإنماإلى صورة من صورة تتغير
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.