الشعر الفصيح والنبطي
وكلمات الأغاني
١
غفا بعد أن مرّت الزوبعهيقاسم أحلامه مضجَعه
٢
شقيٌّ أحالته أيامُهصدى نغمة بالأسى دامِعَه
٣
يعيش على حرق الذكرياتويقتات آماله الخادعه
٤
كأني به في جحيم الحياةنبيٌّ جفاه الذي أبدعه
٥
تراه فتقرأ في وجههملاحم أيامه الضائعه
٦
جبين كصحراء مجهولةمشى الصمت في جوفها حالما
٧
وعينان تستغرقان الوجودسجى الليل فوق جفونَيهِما
٨
إلهيتان وشيطانتانتغشّاهما ما تغشّاهما
٩
ورينهما تجثمُ الكبرياءُعلى جدولٍ يسكر العالما
١٠
سماتٌ بهنّ يهيمُ الخياليمجّد فنّانها الأعظما
١١
له اللَه حين أفاقَت رُؤاهوهامت مواكبُها في سماه
١٢
طفاوات نورٍ ترى روحهبها غير ما قد ترى مقلتاه
١٣
رأى نفسه قبساً حائراتحدّ سناه قيود الإله
١٤
أثيريرّةٌ غير محدودةوكونٌ يغيبُ المدى في مداه
١٥
رأى حلما حقّقته الحياةليشتفَّ أعماق بحر الحياه
١٦
رأى نفسه ليته ما راىوعاش على جدبه ظامئا
١٧
لقد راعه أنه زائلٌستُفنى المنيّةُ ما أنشأ
١٨
وأذهلهُ أن أيّامَهزوارقُ لا تعرفُ المرفَأ
١٩
تمرّ بها صرخات الرياحفتحطمُ مصباحها المطفأ
٢٠
ويجهش ربّانُها بالصلاةفيغرقُها الموجُ مستهزِئا
٢١
وفي غمرةٍ من شعاع الخيلرأى كوكباً كفّنته الليال
٢٢
تزفُّ حواليه من نورهبقايا سنىً آلهيّ الجلال
٢٣
تحدّث عن أمل الوالدينوعن طهره عيسويّ المثال
٢٤
هو الأمسُ أو طفلُه العبقريّمضى والسعادة بنت المحال
٢٥
هو الأمسُ منتحراً والصفاءُمهالاً عليه تراب الزوال
٢٦
وعانقَه كالرُؤى الطافِرهصبيٌّ تلفّع بالآخره
٢٧
يقول له أين أحلامُناوقد كُنَّ كالروضة الزاهره
٢٨
فناداه من أنت ماذا تريدكفى إنّ دنيايَ بي كافره
٢٩
فقال له أنا من كنتَهُأنا الفجرُ أو روحه الحائره
٣٠
أنا في حيتك معنىً يطوفوإن أنكرتني الرحى الدائره
٣١
فدىً للطفولة سحرُ الشبابوما هو إلا خداعُ السراب
٣٢
منىً بعثَرتها رياح الزمانوألقت بها في ضمير اليباب
٣٣
وأوتارُ قيثارة أطرقتعلى شفتيها لحون العذاب
٣٤
تسائلُها الريح عن صمتهافتتركُ للصمت ردّ الجواب
٣٥
فيا ذرَّةً فوق سطح العُبابنأى الشطُّ فالتحمي بالعُباب
٣٦
يقينُ الحياة وأوهامُهاسواءٌ إذا جفَّ إلهامُها
٣٧
وما نحن إلّا سطورُ الكتابوأعمارنا هي أرقامُها
٣٨
وكاتِبُها الخالقُ السرمديّوتلك المقاديرُ أقلامُها
٣٩
نكفّر عمّا جنى الوالدانفيا للبريّة ما جرمُها
٤٠
تحفُّ الرزايا بميلادهاوترتقب الموت أيامها
٤١
أتُفّاحةٌ سرُّ هذا الشقاءومن أجلها كلُّ هذا البلاء
٤٢
تعاليت يا ربّ ماذا أقولوأنت القدرُ على ما تشاء
٤٣
أنا ابن الطريدين أشكو إليكوملءُ دمى ثورة الأبرياء
٤٤
ألم تكُ قدّرتَ أن يعصياكفلم يخرجا عن محيط القضاء
٤٥
وإلا فلم صُغتَ هذا الوجوددحوتَ الثرى ورفعتَ السماء
٤٦
ألم تخلق النار نار الجحيمكخلقك للدار دار النعيم
٤٧
ألم تقض أن يبعث الأنبياءلكلٍّ هدى وطريق قويم
٤٨
فهذا نبيُّ بني يعربٍوهذا الخليلُ وذاك الكليم
٤٩
وتلك الشياطين بنت اللظىفمنهم وليٌّ وفيهم رجيم
٥٠
ودنيا الملائك فوق السحابونملُ التراب وطير السديم
٥١
تباركت ما نفع هذا الوجودإذا لم نفارق جنان الخلود
٥٢
وما بإرادتنا أن نجىءولا بمشيئتنا أن نعود
٥٣
نُقاسي الحياة وآلامهاوآخرها غمرات الهمود
٥٤
وتنذرُنا بعسير الحسابومن ذكره تقشعِرُّ الجلود
٥٥
وما ذنبنا نحن ما ذنبناولم نقترف ما جناه الجدود
٥٦
حنانَيك لو أن لي ما أشاءلكنتُ نبيّاً من الأنبياء
٥٧
أطَهّر قومي من الموبقاتوأدفع عنهم صروف القضاء
٥٨
أو اخترتُ عرشاً كهذي العروشِ أو كنتُ فرداً من الأثرياء
٥٩
أو اخترتُ ألّا أرى علماًبقائي على أرضه كالفناء
٦٠
فكنتُ تراباً كهذا التراب أو مُزنةً في جفون السماء
٦١
حنانيكَ أرضُك تشكو إليكوترجو رضاكَ وجَدوى يديك
٦٢
لقد أجدبت وهي مخضلَّةٌوما سرُّها بخفيٍّ عليك
٦٣
بحولك سوّيتَ أبناءَهافعاشوا كما شئتَ في عالَمَيك
٦٤
يعذّبُهم جهلهم بالغيوبومُظلِمُها مُتنسيرٌ لديك
٦٥
وتحدو المقادير أحلامهمفتطوى الطريق على ناظريك
٦٦
خلقتهمو وخلقتَ الردىوباركتَ منجلةُ الحاصِدا
٦٧
وأغريتَهم بجمال الوجوديرون به صنعك الخالِدا
٦٨
فلم يعرفوك وإن مثّلوكفأنت النشيد ونحن الصدى
٦٩
وكم وحّدوك وكم عدّدوكفكان هداهم ضلال الهدى
٧٠
ومعناك فوق الخيال الشرودودون مداك انفساح المدى
٧١
رآك خليلُك نور الشموسوظنوك في الهند نار المجوس
٧٢
وفرعون خالك في نفسهوناجاك آباؤُه في أبيس
٧٣
وسمّاكَ مانا ظلام الدجىوناداك بوذا بنفس النفوس
٧٤
وكم في المحاريب من ساجِدينأفاءوا إليك بذلّ الرؤوس
٧٥
وكم في المذابح من راهبيريقُ اللحون ويُزجى الطقوس
٧٦
وأنت تساميت في كل ماحوى الكون في أرضه والسما
٧٧
أحسُّك في الفجر روح الضياءوفي الطير تغريده المُلهما
٧٨
وفي الزهر سرّ حنان الندىوفي العطر تهويمه الناسما
٧٩
وفي النهر تهزيم أمواجهوفي الطل إطراقه الحالما
٨٠
وفي الطفل يا ليتني قلبُهأُحِسّك تسبيحه الباغما
٨١
أُحِسُّكَ في الليل صمت النياموسحر النجوم وهول القتام
٨٢
وشكوى المناكيد من دهرهمونجوى المعاميد أهل الغرام
٨٣
وأذكار مستَوحشٍ عابدٍرآك فأقسمَ ألّا ينام
٨٤
وأدمُعَ أفّاقة في الدجىتبيعُ الهوى لتنال الطعام
٨٥
تحجّ إليك بآهاتهالتنقذها من أفاعي الظلام
٨٦
أُحِسّك فيّ منار السفينوعصف الشكوك وروح اليقين
٨٧
أحسّك في الحسن معنى الجمالرفيفَ الشفاه وهمس الجفون
٨٨
وفي القبح إذ أنت خلف الترابجمالٌ زوهُ التراب الغبين
٨٩
أحسّك في الحيّ في الميت في القبرفي الدود ينهشُ جسمَ الدفين
٩٠
وفي الفنّ مشرقُ أنوارهوناموسُ أبنائه الخالدين
٩١
لك الأمرُ بي من هواك افتتانولا زلت أشكو إليك الهوان
٩٢
يقرّبني منك ذلُّ العبيدويبعدني عنك قهر المكان
٩٣
أريد السمو وأخشى السقوطفهبني مما قضيتَ الأمان
٩٤
نشدتك في صبوات الحسانوفي نشواتي بخمر الدنان
٩٥
فقالوا غويٌّ شقيُّ الخياليعربِدُ في رأسه الأفعوان
٩٦
وزرتكَ في الدير والمسجدفلم تدنُ مني ولم تبعد
٩٧
وألفَيتني مغرقاً في الرجاءفلم تكشف الحجبَ أو أشهد
٩٨
أشعتَ وجودَك بين الوجودففي الحان ألقاكَ والمعبد
٩٩
وطمأنت قلبي وفزّعتهفيا ويح للمؤمن الملحد
١٠٠
وأفزعتني فوسعتُ الفضاءإلّا فضاءً به ترتدي
١٠١
أطوف بكونك في عزلتيفأنسى بآلامه محنتي
١٠٢
وأرقبُ خلقَك من عالميجياع ذئابٍ على جيفةٍ
١٠٣
تسخّرهُم شهوات الحضيضويخنقهم جشَعُ الطينة
١٠٤
وعدُلكَ في ظلمهم تائهٌوإيمانهم شبه أسطورة
١٠٥
ويغذو الترابُ أباطيلهمفتسخر منهم ألوهيّتي
١٠٦
جنونُ الرؤى وسُعارُ الألمرفيقاي منذ صحبت القلم
١٠٧
عرفت من الفن معنى الحياةوكُنهَ الخلود وسرّ العدم
١٠٨
وأكرمت نفسي فطامَنتُهازماناً وغامرت في المُزدحَم
١٠٩
فروّعني أن أري العالمينمقابرَ تنبضُ فيها الرِمَم
١١٠
فعُدتُ وكليّ ربوبيّةٌتطهّرها عبراتُ الندام
١١١
شرِبتُ برغمي كئوسَ القدَروجابهتُ وحدي سهام الغير
١١٢
وما كنتُ إلّا لساناً أبانوقلباً أحسّ وروحاً شعَر
١١٣
أُحلّقُ فوق مراقي العقولِوأزحم في الطين دودَ البشر
١١٤
وقد أحتفى ببكاء الظلاموأنفِرُ من ضحِكات القمر
١١٥
فلم أرَ كالناس في أرضهمتهاويلَ مختلفات الصُوَر
١١٦
فهذا فتى في الشباب الغريريعيش الحياةَ كدودِ الحرير
١١٧
حوى كونُه الكون والكائناتففيه التقى بدؤها بالمصير
١١٨
وقلّده الفنُّ تاج الخلودوما الفنُّ إلا الوجودُ الكبير
١١٩
فلم تهدِه غير أضوائهولم يُصغِ إلا لصوت الضمير
١٢٠
فأعيَت مذاهبُه في الحياةفيا حسرتا للإله الفقير
١٢١
وهذا ابنُ أُنثى غويُّ الفؤادرسالتُه أن يعيثَ الفساد
١٢٢
رقاب الأمانيّ منقادةٌإليه وطبع الأماني العناد
١٢٣
حبَته المقادير ملك الثرىوألقت إليه أمور العباد
١٢٤
فجُنَّ بأهوائِه الآثماتيرى بحرها ماله من نفاد
١٢٥
فما خنقته دموع الأسىولا طوّقته معاني الحِداد
١٢٦
وفي الكوخ حيث تقيم المحنعلى ساكنيه ليالي الشجن
١٢٧
براعِمُ لم تحتضنها الرياضولا نشقت غير ريح الدمن
١٢٨
يموت الندى فوق أوراقِهاوينكرُها الغيث إما هتن
١٢٩
وتقتُلُها العاصفاتُ الشدادفيدفنها القفرُ فيما دفَن
١٣٠
وكل جنايتها أنهاتريد الحياة فيأبى الزمن
١٣١
وفوق الذرا حاكمٌ في علاهيرى قومَه أمّةً من شياه
١٣٢
شياهٍ تودُّ اخضرار الجديبلتَسمنَ للذئب لا للحياه
١٣٣
تنامُ على الشوكِ حتّى إذانما الورد كان دخاناً شذاه
١٣٤
وراع طوت نايَهُ السافياتُوغاب بجوف الروابي صداه
١٣٥
يهَشُّ إلى رقصات المنىوكلُّ الردى كامنٌ في مناه
١٣٦
ويهفو إلى الكأس إن عربدتويسجد للمرأة المشتهاه
١٣٧
وللذئب من حوله شرَّةٌتصول إذا ما وهى جانباه
١٣٨
يرى الراعيَ الغرّ ينسى الحياةَوينسى الرعيل وينسى عصاه
١٣٩
فيشرع من ناظريه المُدىليقطع عنها سبيل النجاه
١٤٠
وإن أيقظ الذئب صوتُ الدماءفلا ترتقب غير نوم الرعاه
١٤١
وذي لحيةٍ ترهِقُ الماشطينومسبحةٍ تعجزُ الحاسبين
١٤٢
يهزّ النهارَ بأي السماءفيُبكى بترتيلها السامعين
١٤٣
فإن جمع الليل ندمانهرآه إماماً على الشاربين
١٤٤
يضجُّ بلَعنة أقدارهويسخرُ من خالق العالمين
١٤٥
فإن أنت ذكّرته بالحسابأقامَك رمزاً إلى الجاهلين
١٤٦
وراح بعينيه يُزجى الصلاهإلى كلّ فتّانةٍ قاهره
١٤٧
بها ما به شهوةٌ قُيّدَتفشبّت فثارت بها الثائره
١٤٨
ويلتقيان فيبكى المسيحويشكو إلى أمّه الطاهره
١٤٩
ومُستقتلٍ في صراعِ الضنىويغسِلُ بالدمع ميت المُنى
١٥٠
تنقّل في جانبيه الجراحوتأكل جثمانه المُشخنا

المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.

عن صالح الشرنوبي

شاعر مصري ارتبط اسمه ببلطيم، المدينة التي وُلد فيها ونشأ بين أهلها، ثم رحل عنها ليدرس في المعاهد الدينية ودار العلوم. نشر شعره في مجلات وجرائد مثل الرسالة والثقافة والأهرام، وعمل في الأخيرة صحفيًا. عاد إلى بلطيم في عيد الأضحى فقضى نحبه منتحرًا، تاركًا اثني عشر ديوانًا في كراريس صغيرة أوصى أهله بنشرها، ومنها «نشيد الصفاء» الذي نشره صديقه صالح جودت بعد رحيله.

قصائد أخرى لـصالح الشرنوبي الكل

أبلغ عن خطأ في القصيدة