الشعر الفصيح والنبطي
وكلمات الأغاني

بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي

ابن الروميالعصر العباسي · ٢٬٣٤٣ قصيدة
٣ قراءة
١
بكاؤكُما يشْفي وإن كان لا يُجْديفجُودا فقد أوْدَى نَظيركُمُا عندي
٢
بُنَيَّ الذي أهْدَتْهُ كَفَّايَ للثَّرَىفَيَا عِزَّةَ المُهْدَى ويا حَسْرة المُهدِي
٣
ألا قاتَل اللَّهُ المنايا ورَمْيَهامن القَوْمِ حَبَّات القُلوب على عَمْدِ
٤
تَوَخَّى حِمَامُ الموتِ أوْسَطَ صبْيَتيفلله كيفَ اخْتار وَاسطَةَ العِقْدِ
٥
على حينََ شمْتُ الخيْرَ من لَمَحَاتِهِوآنَسْتُ من أفْعاله آيةَ الرُّشدِ
٦
طَوَاهُ الرَّدَى عنِّي فأضحَى مَزَارُهُبعيداً على قُرْب قريباً على بُعْدِ
٧
لقد أنْجَزَتْ فيه المنايا وعيدَهاوأخْلَفَتِ الآمالُ ما كان من وعْدِ
٨
لقَد قلَّ بين المهْد واللَّحْد لُبْثُهُفلم ينْسَ عهْدَ المهْد إذ ضُمَّ في اللَّحْدِ
٩
تَنَغَّصَ قَبْلَ الرِّيِّ ماءُ حَياتِهِوفُجِّعَ منْه بالعُذُوبة والبَرْدِ
١٠
ألَحَّ عليه النَّزْفُ حتَّى أحالَهُإلى صُفْرَة الجاديِّ عن حُمْرَةِ الوَرْدِ
١١
وظلَّ على الأيْدي تَساقط نَفْسُهويذوِي كما يذوي القَضِيبُ من الرَّنْدِ
١٢
فَيَالكِ من نَفْس تَسَاقَط أنْفُساًتساقط درٍّ من نِظَام بلا عقدِ
١٣
عجبتُ لقلبي كيف لم ينفَطِرْ لهُولوْ أنَّهُ أقْسى من الحجر الصَّلدِ
١٤
بودِّي أني كنتُ قُدِّمْتُ قبْلَهُوأن المنايا دُونَهُ صَمَدَتْ صَمْدِي
١٥
ولكنَّ ربِّي شاءَ غيرَ مشيئتيوللرَّبِّ إمْضَاءُ المشيئةِ لا العَبْدِ
١٦
وما سرني أن بعْتُهُ بثَوابِهولو أنه التَّخْليدُ في جنَّةِ الخُلْدِ
١٧
وَلا بِعْتُهُ طَوْعاً ولكنْ غُصِبْتهوليس على ظُلْمِ الحوادِث من مُعْدِي
١٨
وإنِّي وإن مُتِّعْتُ بابْنيَّ بَعْدهلَذاكرُه ما حنَّتِ النِّيبُ في نَجْدِ
١٩
وأولادُنا مثْلُ الجَوارح أيُّهافقدْناه كان الفاجِعَ البَيِّنَ الفقدِ
٢٠
لكلٍّ مكانٌ لا يَسُدُّ اخْتلالَهُمكانُ أخيه في جَزُوعٍ ولا جَلدِ
٢١
هَلِ العَيْنُ بَعْدَ السَّمْع تكْفِي مكانهُأم السَّمْعُ بَعْد العيْنِ يَهْدِي كما تَهْدي
٢٢
لَعَمْرِي لقد حالَتْ بيَ الحالُ بَعْدَهُفَيَا لَيتَ شِعْرِي كيف حالَتْ به بَعْدِي
٢٣
ثَكِلتُ سُرُوري كُلَّه إذْ ثَكلتُهُوأصبحتُ في لذَّاتِ عيْشي أَخَا زُهْدِ
٢٤
أرَيْحَانَةَ العَيْنَينِ والأَنْفِ والحَشاألا لَيْتَ شعري هَلْ تغيَّرْتَ عن عهدي
٢٥
سأسْقِيكَ ماءَ العيْن ما أسْعَدَتْ بهوإن كانت السُّقْيَا من الدَّمْعِ لا تُجْدِي
٢٦
أعَيْنَيَّ جُودا لي فقد جُدْتُ للثَّرىبأنْفِس ممَّا تُسأَلانِ من الرِّفْدِ
٢٧
أعَيْنيَّ إن لا تُسْعِداني أَلُمْكُمَاوإن تُسْعداني اليوم تَسْتَوْجبا حَمْدي
٢٨
عَذَرْتُكُما لو تُشْغَلانِ عن البُكابِنَوْمٍ وما نَوْمُ الشَّجِيِّ أخي الجَهْدِ
٢٩
أقُرَّةَ عيني قدْ أطَلْت بُكاءهاوغادرْتها أقْذَى من الأعينِ الرُّمدِ
٣٠
أقُرَّةَ عيني لو فَدَى الحَيُّ مَيِّتاًفَدَيْتُك بالحَوْبَاء أَوَّلَ من يَفْدِي
٣١
كأني ما اسْتَمْتَعتُ منك بنظْرةولا قُبْلةٍ أحْلَى مَذَاقاً من الشَّهْدِ
٣٢
كأني ما استمتعتُ منك بِضَمَّةٍولا شمَّةٍ في مَلْعبٍ لك أو مَهْدِ
٣٣
ألامُ لما أُبْدي عليك من الأسىوإني لأخفي منه أضعاف ما أُبْدي
٣٤
محمَّدُ ما شيْءٌ تُوُهِّمَ سَلْوةًلقلبيَ إلا زاد قلبي من الوجدِ
٣٥
أرى أخَوَيْكَ الباقِيينِ فإنمايَكُونان للأَحْزَانِ أوْرَى من الزَّندِ
٣٦
إذا لَعِبا في ملْعَبٍ لك لذَّعافؤادي بمثل النار عنْ غير ما قَصدِ
٣٧
فما فيهما لي سَلْوَةٌ بَلْ حَزَازَةٌيَهِيجانِها دُونِي وأَشْقَى بها وحْدي
٣٨
وأنتَ وإن أُفْردْتَ في دار وَحْشَةٍفإني بدار الأنْسِ في وحْشة الفَرْدِ
٣٩
أودُّ إذا ما الموتُ أوْفَدَ مَعْشَراًإلى عَسْكَر الأمْواتِ أنِّي من الوفْدِ
٤٠
ومن كانَ يَسْتهدِي حَبِيباً هَدِيَّةًفَطَيْفُ خيَال منك في النوم أسْتَهدي
٤١
عليك سلامُ الله مني تحيةًومنْ كلِّ غيْثٍ صادِقِ البرْقِ والرَّعْدِ

المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.

شرح الأبيات (أول ٢٥ بيتًا)

هذه الأبيات لابن الرومي، الشاعر العباسي المعروف بصدق العاطفة والتعمّق في المعاني. وهي من غرض الرثاء، رثى فيها ابنه الأوسط محمدًا الذي مات صغيرًا بعد مرض نزيف. وتُعدّ من أصدق قصائد رثاء الأبناء في الشعر العربي وأشدّها تأثيرًا.

١

يخاطب الشاعر عينيه قائلًا: إن بكاءكما يخفّف الألم وإن كان لا يردّ الميت، فابكيا بغزارة، فقد مات ابني الذي كان عندي في منزلتكما.

يُجدي: ينفع ويفيدجُودا: ابكيا بغزارة، والخطاب لعينيهأودى: هلك وماتنظيركما: مثيلكما في العزّة والمنزلة، يعني ابنه

٢

ذلك هو ابني الذي دفنته بيديّ في التراب كأنني أهديته إليه، فما أعزّ هذه الهدية وما أشدّ حسرتي أنا مُهديها!

الثرى: التراب، والمراد القبرعزّة المُهدى: ما أغلى الهدية وأعزّها

٣

يذمّ الموت لأنه يقصد أحبّ الناس إلى القلوب فيصيبهم عمدًا كأنه رامٍ يختار هدفه.

قاتل الله: دعاء يُقصد به الذمّ والتعجّبالمنايا: جمع منيّة، وهي الموتحبّات القلوب: أحبّ الناس وأعزّهمعلى عَمد: عن قصد

٤

قصد الموت أوسط أبنائي، فيا عجبًا كيف اختار أنفسهم كما تُختار الجوهرة الكبرى في وسط القلادة!

توخّى: قصد وتحرّىحِمام الموت: قضاء الموت وقدرهواسطة العقد: أنفس جوهرة في وسط القلادة

٥

جاءه الموت في الوقت الذي بدأت ألمح فيه علامات الخير في نظراته، وأرى في أفعاله دلائل العقل والرشد.

شِمتُ: رأيتُ وتوقّعتُآنستُ: أبصرتُ وأحسستُآية الرُّشد: علامة العقل والنضج

٦

غيّبه الموت عني، فصار قبره قريبًا في المكان بعيدًا لأنه لا لقاء بيننا، وهو مع بعده قريب من قلبي.

طواه: أخفاه وغيّبهالرّدى: الموت

٧

حقّق الموت تهديده فيه، أما الآمال التي كنت أعلّقها عليه فلم تفِ بما وعدت.

أنجزت: نفّذت وحقّقتوعيدها: تهديدهاأخلفت: لم تفِ

٨

كانت حياته قصيرة جدًّا بين المهد والقبر، حتى إنه دُفن وهو لم ينسَ بعدُ أيام المهد.

المهد: سرير الطفل الرضيعاللّحد: القبرلُبثه: مدّة بقائه

٩

شبّه حياته بماء تكدّر قبل أن يرتوي منه، فحُرم عذوبته وبرودته، أي مات قبل أن يتمتّع بحياته.

تنغّص: تكدّر وفسدالرِّيّ: الارتواء والشبع من الماءالبَرد: البرودة المنعشة

١٠

اشتدّ عليه نزف الدم حتى تحوّل لونه من حمرة الورد إلى صفرة الزعفران.

النّزف: سيلان الدمأحاله: حوّله وغيّرهالجاديّ: الزعفران، وهو أصفر اللون

١١

بقي بين أيدي أهله تخرج روحه قليلًا قليلًا، ويذبل كما يذبل غصن الرند الطيّب.

تساقط نفسه: تخرج روحه شيئًا فشيئًايذوي: يذبلالقضيب: الغصنالرَّند: شجر طيّب الرائحة

١٢

يتعجّب من روحه التي كانت تتساقط أجزاءً كما تتساقط حبّات اللؤلؤ من خيط ليس في طرفه عقدة تمسكها.

درّ: لؤلؤنظام: الخيط الذي يُنظم فيه اللؤلؤبلا عقد: بلا عقدة تمسكه

١٣

يعجب من قلبه كيف لم ينشقّ حزنًا عليه، حتى لو كان أقسى من الحجر الصلب.

ينفطر: ينشقّ ويتصدّعالصّلد: الصلب الشديد

١٤

يتمنّى لو أنه مات قبل ابنه، وأن الموت قصده هو وترك ابنه.

بودّي: أتمنّىصمدت صمدي: قصدتني أنا

١٥

لكنّ الله أراد غير ما أردت، والأمر النافذ هو مشيئة الله لا مشيئة العبد، وفي ذلك تسليم بالقضاء.

إمضاء: تنفيذ

١٦

لم يسرّه أن يفقده مقابل الأجر، ولو كان الأجر الخلود في الجنة، لشدّة تعلّقه به.

ثوابه: أجر الصبر على فقدهالخُلد: البقاء الدائم

١٧

لم يتخلَّ عنه راضيًا، بل أُخذ منه قهرًا، ولا يوجد من ينصر المظلوم على ظلم مصائب الدهر.

غُصبته: أُخذ مني قهرًاالحوادث: مصائب الدهرمُعدي: ناصر يأخذ الحقّ للمظلوم

١٨

وإن بقي له ابنان بعده يتمتّع بهما فسيظلّ يذكره أبدًا ما دامت النوق تحنّ في نجد.

مُتّعتُ: أُنعم عليّ ببقاءحنّت: صوّتت شوقًاالنِّيب: النوق المسنّة

١٩

الأولاد كأعضاء الجسد، أيّ واحد منها نفقده يكون فقده مؤلمًا ظاهر الأثر.

الجوارح: أعضاء الجسمالفاجع: المؤلم المفجع

٢٠

لكل ولد مكانه الخاص، فلا يعوّض أخوه النقص الذي تركه، سواء أكان الأب جزوعًا أم صبورًا.

اختلاله: النقص الحاصل بغيابهجزوع: قليل الصبرجَلد: صبور قويّ

٢١

يضرب مثلًا: هل تغني العين عن السمع إذا فُقد، أو يرشد السمع كما ترشد العين إذا فُقدت؟ وكذلك الأبناء لا يغني أحدهم عن الآخر.

يهدي: يرشد ويدلّ

٢٢

يقسم أن حاله قد تغيّر بعد موت ابنه، ويتمنّى لو يعلم كيف تغيّر حال ابنه في قبره بعده.

لعمري: قسم بحياتيحالت: تغيّرتليت شعري: ليتني أعلم

٢٣

فقد كل سروره حين فقد ابنه، وصار معرضًا عن لذّات الحياة لا يرغب فيها.

ثكلت: فقدتأخا زهد: زاهدًا معرضًا

٢٤

يناديه بأنه كان متعة عينيه وأنفه وقلبه، ويتساءل متحسّرًا: هل تغيّرت في القبر عمّا عهدتك عليه؟

ريحانة: نبت طيّب الريح، كناية عن المحبوبالحشا: الجوف، والمراد القلب

٢٥

يعده بأن يسقي قبره بدموع عينيه ما دامت تجود بها، وإن كانت الدموع لا تنفعه شيئًا.

أسعدت: أعانت وجادتالسُّقيا: السَّقي

شرح مكتوب آليًا بمساعدة الذكاء الاصطناعي لطلاب المرحلة الثانوية، وقد يقع فيه خطأ. رأيت خطأ؟ استخدم زر «أبلغ عن خطأ».

عن ابن الرومي

عُرف ابن الرومي بلسان شعري لا يكاد يهادن أحدًا؛ فما إن يمدح رئيسًا أو مرؤوسًا حتى ينقلب إلى هجائه، حتى قال المرزباني إنه لم يمدح أحدًا إلا عاد فهجاه، فقلّت فائدته من الشعر وتحاماه الرؤساء. روميّ الأصل، وكان جدّه من موالي بني العباس، وولد ونشأ ببغداد حيث مات مسموماً، ويُروى أن الوزير القاسم بن عبيد الله دسّ له السم بعد هجاء. وُضعت أشعاره أحيانًا على لسان غيره، فردّ المرزباني على من نسبها لمثقال الواسطي مؤكدًا أنها مما… المزيد

قصائد أخرى لـابن الرومي الكل

على البحر والقافية نفسيهما

أبلغ عن خطأ في القصيدة