الشعر الفصيح والنبطي
وكلمات الأغاني

لَقَد كان شَيخٌ بالكرامةِ يُذكَرُ

رشيد أيوبالعصر الحديث · توفي ١٬٩٤١م · ١٥٧ قصيدة
٤ قراءة
١
لَقَد كان شَيخٌ بالكرامةِ يُذكَرُيدقّ على عُودٍ فَيَسبي ويسحُرُ
٢
وكان برغدِ العيشِ ينهَى ويأمُرُفَأخنى عَلَيهِ الدهرُ والدهرُ يغدرُ
٣
وَخانَتهُ أيامٌ بُعَيد مشيبِفَحَارَبَ بالصّبرِ الجميلِ زمانَهُ
٤
عسى أنَّ هذا الصّبرَ يُصلح شانَهُفلمّا ابتُلي بالوُلدِ عَضّ بَنانَهُ
٥
وَفَارَقَهُ صَبرٌ لَدَيهِ وَخانَهُفأصبحَ مطرُوداً أسيرَ خطوبِ
٦
فَخَلّى عن الدّنيَا وملّ عِبَادَهاوتاهَ بأرض اللهِ يطوي وهادَها
٧
فضاقَت بهِ الدّنيَا فذمّ ودادَهاولمّا خَلا بالنفس رامَ رشادَها
٨
فقال لها يا نفس ويحك ذوبيفحِيناً تَرَى بينَ الجبالِ ظُهورَهُ
٩
وتسمَع بالوِديانِ طَوراً زفيرَهُيجولُ وذاك العُودُ أضحى سميرَهُ
١٠
رفيقاً لَهُ في النّائِبَاتِ مُجِيرَهُعلى صَدرِه قد ضَمّه كحبِيبِ
١١
فَجَاءَ إِلى نهرٍ لِيَجلِسَ مَرّةًوينفي هموماً ضايقَته وحسرةُ
١٢
فلمّا رَأى ماءً وصَادفَ خُضرَةًوضمّ إِلَيهِ العودَ أرسلَ عَبرَةً
١٣
وحنّ إِلى الماضي حنينَ غريبِوما زالَ تَذكارَ الشبابِ يُرَدِّدُ
١٤
ويَذرفُ دَمعاً والحَشا تَتَوَقّدُيقولُ لِنَهرٍ ماؤهُ يَتَجَعّدُ
١٥
سَلامٌ على نهرٍ غليلي يُبَرِّدُإِذا جئتُهُ أُنهي عناء كروبي
١٦
فلمّا انبَرى هذي الحَياةَ يودّعُويَنحرُ نفساً طالَ منها توَجّعُ
١٧
وأرسلَ طَرفاً باهتاً يَتَطَلَّعُفَشاهَدَ ما مِنهُ الحَشَا تَتَقَطّعُ
١٨
وَيجزَعُ منهُ قلبُ كلّ رهيبِرَأى غَادةً حَسناءَ حارَ بأمرِها
١٩
تلاعبُ أذيال النّسيمِ بشعرِهَافَكَفٌّ على خَدٍّ وكَفٌّ بصَدرها
٢٠
وتَندُبُ كالخنساءِ فرقَةَ صَخرِهاوما من سمِيعٍ صوتها ومجيبِ
٢١
دنا الشيخُ منها وهوَ يَرثي جمالهايخاطِبها نُصحاً لِيُنعمَ بالَها
٢٢
يسائلها لُطفاً لِتَشرَحَ حالَهالَعَلّ هُمُوماً يَستطيعُ زوالَها
٢٣
فَتَبقى بعيش بالحياة خصيبِفقال لها هل أنتِ تائِهَةٌ هُنَا
٢٤
وتَبكينَ من فَرطِ المَشَقّةِ والعنَاعلامَ علامَ ذا البكاء وذا الضنى
٢٥
بعيشك قولي هل تقطعت المُنىوأنتِ كغصنٍ بالرّياض رَطيبِ
٢٦
فإن كان لا هل قد جفاك بصَدّهحبيبٌ تَجَنّى في هوَاهُ وودّه
٢٧
لئن كان ذاكَ الخِلّ مان بوَعدهفصبراً على حكم الزمانِ وكَيده
٢٨
فبالصبر تحلو حالُ كل لبيبِولا ترفضي من ذي الحياة سرورها
٢٩
وخلّي إِلى وقت المشيب ثبورهاأمَامك أيّامٌ حَذارِ غُرُورَها
٣٠
تخُطّ عَلَيها النّائِباتُ سُطورَهَازمان لديه الموت خير طبيبِ
٣١
فَهَمّت وقلبُ الشيخِ زادَ تَلهّباوَرَاحَ إِلى الحسنَاءِ يَبغي تَقَرّبا
٣٢
ومَدّ يَديهِ للفَتَاةِ تأدّباوقال بصَوتِ المُستَجيرِ تَحَبّبَا
٣٣
أجيبي ندائي يا ملاك أجيبيفقالت وَدمعُ العينِ يجري بزَفرَة
٣٤
أيا شيخ دعني الآن أقضي بحسرةفمن حادث الأيام أني بسكرَة
٣٥
لعلي إذا م امتّ أحظى بنَظرَةهنالك ممن مات وهو نصيبي
٣٦
فَواللهِ قد خَلّفتُ أهلي ومنزليأرومُ انفصالَ النفس مني بمعزلِ
٣٧
فَوَاهاً حبيبي ماتَ أمس وليس ليسوَى حسرَتي من بعده وتذللي
٣٨
فيا ما أُحَيلى الموتَ بعد حبيبيوما برحت تشكو الزمانَ وما جرى
٣٩
وتَبكي انتحاباً والفؤادُ تَسَعّرافيا ليتَ عَنها ما سمعتَ ولن تَرى
٤٠
بكاها وذاك الشيخ فيها تحيّرَاوأحشاؤه ذابت بحرّ لهيبِ
٤١
فَلَمّا دعاها للمَسنونِ المُقَدَّرُرَمَت نفسَها في النَهرِ والشيخُ ينظرُ
٤٢
وآخِرُ ما قالت أموتُ وأُعذَرُعسى الله يعفو عن فعالي ويغفرُ
٤٣
ويصفحُ عن مثلي ويمحو ذنوبيهيَ النفسُ إن مَلّت وزادَ عَناؤها
٤٤
وفازَ على طيبِ الحَياةِ شَقاؤهَايقولُ على الدنيَا السلام رَجاؤها
٤٥
كذا نفس ذاك الشيخ عزّ عزاؤهافوَدّعَ عوداً قائلاً بنحيبِ
٤٦
أيا سَلوَةَ الأحزانِ فيها تَوَلَّعَتعَواطفُ أهل العشق حين تضعضعت
٤٧
فَلَولاك آمالي قديماً تَقَطّعَتفكم راحةٍ لي فيك منك توسّعَت
٤٨
وكم قلتَ للنفس الحزينة طيبيفأنت الذي يَبكي بغير دموعِهِ
٤٩
حُنُوَاً وسكنى الحبّ طيّ ضلوعهفكم نحتَ مُشتاقاً قضى بولوعِهِ
٥٠
حزيناً تَفانى في الهَوى بخضوعهِبلحنٍ هواه العاشقون مذيبِ
٥١
ويا مُؤنسي بعد انفرادي وغربتيلقد كنتَ في الضّراءِ فارجَ كربتي
٥٢
ولم تكُ إِلاّ فيك لا عنك رغبتيفأنت مقيمٌ في حضُوري وغَيبَتي
٥٣
بصَدرٍ إِلى يوم النشور رحيبِعسى الريح إن هَبّت تمِيلُ وتعطفُ
٥٤
وتحتكّ بالأوتارِ منكَ فترجُفُفيسري حنينٌ بالهَواءِ ويلطُفُ
٥٥
ويلمسُ روحي في الفضاءِ ويألفُفسوفَ تطيرُ الريحُ عما قريبِ
٥٦
ويا ريشَةٌ تُملي معاني شعورهافتجلو لنَا الأوتارُ ما في ضميرِهَا
٥٧
ويُظهر معنى الحبّ ما في سطورهاوما أخفَتِ الرّنّاتُ عند مسيرها
٥٨
عليك سلامٌ في الضحى وغروبِوجادَت دموعُ الشيخِ تهمي بسكبها
٥٩
وضاقَت به الدنيا بواسع رحبِهافألقى بنَفسٍ تَبتَغي عَفوَ ربّها
٦٠
تهيمُ اشتياقاً نحو مركزِ قطبِهاوقلبٍ إِلى دارِ البقاءِ طروبِ

المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.

عن رشيد أيوب

شاعر لبناني ارتبط اسمه بالمهجر الأميركي، وكان عضوًا في الرابطة القلمية بنيويورك. عُرف بين معاصريه بلقبين: أحدهما جاء من كثرة ما عبّر عن ضيق الحياة، والآخر من ديوانه الذي حمل اسم الدرويش. ترك ثلاثة دواوين، منها «الأيوبيات» و«هي الدنيا» و«أغاني الدرويش».

قصائد أخرى لـرشيد أيوب الكل

أبلغ عن خطأ في القصيدة