الشعر الفصيح والنبطي
وكلمات الأغاني

خَرَجت مِن بَعض ضُروب البَصره

ابن الهباريةالعصر الفاطمي · ٢٦٥ قصيدة
٣ قراءة
١
خَرَجت مِن بَعض ضُروب البَصرهفي رفقة مِن عامر للعمره
٢
حَتّى إِذا كُنا عَلى رَمل الحمىوَقَد خَبطنا جَوف لَيل مظلما
٣
في لَيلة باردة مطيرهرِياحها شَديدة كَثيرة
٤
قالَ أَصيحابي اِنزلوا فعرسوافَاللَّيل داج وَالرِّفاق نعسوا
٥
فَعرس القَوم بِواد ذي شَجروَلَم أَزَل أربؤهم إِلى السحر
٦
في لَيلة ذات رِياح وَمَطرلا نجم في سَمائِها وَلا قمر
٧
حَتّى إِذا الفَجر بَدا للناظروَحانَ حينَ رحلة المُسافر
٨
هَب أَصيحابي مِن الرّقادإِلى ظُهور الإبل وَالجِياد
٩
وَثوروا وَانطلقوا خلستوَقُلت لا ضير إِذا احتبسَت
١٠
فَظلت في أَصل كناس للحمروَقَد سكرت بِاللغوب وَالسهر
١١
فَنمت للحين جَميع يَوميثَم اِنتَبَهت فَرقاً مِن نَومي
١٢
فَقُمت مَرعوباً مَع الأَصيلجوعان عَطشان بِلا دَليل
١٣
اعتكر اللَّيل وَزادت حيرَتيفي جنحِهِ وَجوعَتي وَخيفَتي
١٤
وَلَم أَجد في الحَزم غَير المَكثفي مَوضِعي خَوف التوى وَاللبث
١٥
وَقُلت إِن سرت بِغَير هاديضَللت في أضواج هَذا الوادي
١٦
وَخِفت مِن سِباعه وَجنهوَلَم أَبل مِن سَهلِهِ وَحُزنِهِ
١٧
ثَم هَجَمت في مَكاني جاثِماًوَكُنتُ في ذاكَ الهُجوم حازِما
١٨
وَلَم أزَل انظُر في النَواحيوَأرهب الجَرس مِن الرِّياح
١٩
حَتَّى بَدا شَخص فَحدقت النَّظَروَلَم أَكد أثبتهُ مِن الحَذَر
٢٠
ثُم بَدا لي فَرَأيت رَجُلاًشَيخاً يُناجي صاحِباً مكتهلا
٢١
قَد أَكثَرا الخِصام وَالجِدالاوَأَعلَنا الشِّجار وَالمَقالا
٢٢
وَافتخرا وَكَثرة المُفاخرةتَدعو إِلى العِناد وَالمُشاجرة
٢٣
فَكانَ قَول الشَّيخ قومي الهندالحُكماء العُلماء اللد
٢٤
لَهم علوم وَحلوم وَفطنوَحكمة بالغة إِذ تمتحن
٢٥
لَو لَم يَكُن من فضلِهم إِذ يختبرفَضل الرِّجال منصف وَيعتبر
٢٦
إِلا الَّذي أَبدوه في الشطرنجلِلناس مِن علم سَديد النهج
٢٧
جد عَظيم لَقبوه هَزلايَصير الرأي الأفين جزلا
٢٨
فيهِ إِشارات إِلى مَواعِظِنافِعة لِكُل واع حافِظ
٢٩
قَد رَسَموها لِلهُدى مِثالاًأَن الحَكيم يَضرب الأَمثالا
٣٠
يَعنون أن العَيش في التَدبيروَلَيسَ بِالقسمة وَالتقدير
٣١
وَالمَرء لِلأَفعال مُستَطيعمُحكم يحفَظ أَو يضيع
٣٢
وَذَلِكَ العَدل بِلا خِلافلَو وفق الرِّجال لِلإنصاف
٣٣
قالَ لَه الكَهل وَقَومي الفرسُالحُكماء ما بِذاكَ لَبس
٣٤
لَهُم سِياسات وَتَدبير حسنكَالشّرع عَدلاً في الفُروض وَالسنَن
٣٥
وَملكهم معتضد بِالحكمهكَأَنَّهُم قَد أيدوا بالعصمه
٣٦
لا نَعبد الأَصنام وَالأَوثاناوَلا نَرى الظُلم وَلا العُدوانا
٣٧
وَالعَيش بِالرزق وَبِالتقديروَلَيسَ بِالرَأي وَلا التدبير
٣٨
وَقَد وضَعنا النرد لِلمثاللَو فطنت بَصائر الرِّجال
٣٩
وَما قَصدنا بِالفصوص اللعباحاشا لَنا لَكن قَصَدنا الأَدَبا
٤٠
وَإِنَّما سمى لعباً حيلهتَخفى بِهِ ما فيهِ مِن فَضيلَه
٤١
وَإِنَّما يَعشقه الرِّجاللأَنَّهُ لَعب كَما يُقال
٤٢
وَلَو دَروا أَن المُراد الأَدَبُبِوضعِهِ وَصُنعِهِ ما لَعبوا
٤٣
فَالحَق قَد تعلمه ثَقيليأباه إِلا نَفَر قَليل
٤٤
وَأَنما أَخفيت المَصالحوَموه القَول الشَّفيق الناصح
٤٥
وَدَلَستُ بِظاهر اللذاتكَم راحة تَكمن في أَذاة
٤٦
كَمثلما رَكبت الأَلحانوَوضعت للحكمة العيدانُ
٤٧
يَظنها الجاهل لَهواً وَلَعبوَلَو دَرى بِوضعِها ماذا طُلب
٤٨
مِن راحة الروح وَبَسط النفسوَهزها لطبعها بِالأنس
٤٩
لَم يَستَمع قط الغناء وَنَفرعَنهُ لان الحَق ما فيهِ وَطر
٥٠
قالَ لَهُ الهندي هَذي حجَتيسَلَكت فيما جئته مَحجتي
٥١
شَطرنجنا لمثل هَذا وَضعاأَول فَن في العُلوم اِخترعا
٥٢
وَفَضله باد بِغَير مينما أَوضَح الصُّبح لذي عَينين
٥٣
وَإِن بُرهاني فيه ظاهِروَالحَق لا يَدفعه المكابِرُ
٥٤
يَكفيك مِن شاهد ما ذكرتهأَمر بِعَيني هَذهِ نَظرته
٥٥
أعدل قاض قَلد العيانُوَلَيسَ فَوقَ حُكمِهِ بُرهانُ
٥٦
إِن الأَمير المزيديَّ صدقهبِنَفسِهِ الفاضلة الموفقة
٥٧
نالَ العُلا وَساسَ أَمر ملكهحَتّى غَدا منتَظِماً في سلكه
٥٨
وَلَيسَ شَيء غَيره يُساعدهبَل كُل شَيء في الوَرى يُعانده
٥٩
الوَقت وَالقِران وَالرِّجالوَهوَ بِلُطفِ رَأيهِ يَحتال
٦٠
بِجده وَلطفه وَكَدهوَحذقه في كَيدِهِ لا جنده
٦١
فبان أَن الأَمر بِالمحالهكَفى بِما ذَكَرتهُ دَلاله
٦٢
أَول رَمز في اِعتِبار الطَّبَقهلأَنَّها عِندَهُم محققه
٦٣
لا يَلعَبنَّ أَبَداً مَع مُحسنمجود فذاكَ فعل الأَرعن
٦٤
كَذاكَ لا تُحارب القويامِن العَدو إِن تَكُن ذَكيا
٦٥
فَإِن من حارب من لا يَقوىبِحَربِهِ جَر عَلَيهِ البَلوى
٦٦
وَحارب الأَكفاء وَالأَقرانافَالمَرء لا يُحارب السلطانا
٦٧
وَإِن من رُموزِها لَو يعتبرلاعبها بِأَمرِها وَيَفتَكر
٦٨
يا أَيُّها الإِنسان كُن في الدنياكَلاعب الشطرنج وانحُ المَعنى
٦٩
محترِزاً مِن العَدو مُحتَرستَنج وَتَسلم مِن أَذاه وَتكس
٧٠
فَالحين في الأَهوان وَالتجوزوَالحَزم كُل الحَزم في التحرز
٧١
وَانتهز الفُرصة إِن الفُرصةتَعود إِن لَم تَنتهزها غَصه
٧٢
وَاِسبق إِلى الأَجود سَبق ناقِدفَسَبقك الخَصم مِن المكابد
٧٣
كَسَبق أَهل الشام أَصحاب عَلىكَيداً إِلى ماء الفُرات السلسل
٧٤
فَلَم يَزَل أَهل العِراق هيماحَتّى جَلوا دُجى الوَغى البَهيما
٧٥
وَالشاه لا يخضر عِندَ الشاهفَإِنَّها مِن أَعظَم الدَّواهي
٧٦
وَقَد رَأينا أَمس في زَمانِناوَحَسبنا المُدرك في عياننا
٧٧
لَما أَتى طغرلنكُ بَغذاذاوَلَم يَجد مِنهُ امرؤ معاذا
٧٨
جاءَ إِلَيهِ الملك الرحيممُستَقبلاً فَقالَ لا تريم
٧٩
واستحضر الشطرنج للملاعبهإِشارة مِنهُ إِلى المُحارَبه
٨٠
حَتّى إِذا تَوَسطا في اللعبِجاءَ ابن ميكال بِأَمر عجب
٨١
صافح عَمداً شاهه بِشاههللطفه في الكَيد وَانتِباهه
٨٢
فرد ذاكَ ابن بويه منكراًفَلج طغرلنك حَتّى أَكثَرا
٨٣
قالَ لَهُ وَغلط الرحيموَقَد لعمري يَغلط الحَكيم
٨٤
ما جَرت العادة أن الشاهايَدخل بيتَ الشاه قالَ آها
٨٥
فَلم دخلت بَيتنا وَضحكاأخطأ غرّ للرسوم تركا
٨٦
ثُمَ أَشارَ أَن خذوه فاخذوَقامَ مِن بَين يَديهِ وَجبذ
٨٧
فَكُن كَثير الحفظ وَالتوقىوَسالِكاً فيهِ سَبيل الرفق
٨٨
وَفتش الأُمور عَن أَسرارِهاكَم نكتَةٍ حتفك في إظهارها
٨٩
لا تشرهن فَتَأخُذَن ما تَرَكاوَانظر لِماذا ترك الرخ لكا
٩٠
فَرُبَّما كانَت لَهُ مَكيدهفي تَركِهِ عادته السديده
٩١
انظر وَفَكر أَبَداً في العاقبةفَإنَّها عَن العُقول غائِبَه
٩٢
لا تشرهن إِلى حطام عاجِلكَم أكلةٍ أَودَت بِنَفس الآكل
٩٣
وَبِئست العادة فاحذرها الشرهوَقس بِما رَأيته ما لَم تَره
٩٤
وَاكرم الخيم العَفاف وَالظلفوَالأُم الأَخلاق حرص وَصلف
٩٥
وَاحذر فَكَم من سَكرة مَسمومهحرص النُّفوس عادَةٌ مَذمومه
٩٦
لا سِيما ما كانَ مِن عَدوّكَم صَبوَة جاءتكَ مِن سلو
٩٧
لا تَفتح الدست وَلا الحَرب مَعاًوَاِقنَع بسلم ما وَجَدت مقنعا
٩٨
وَاِدفع اِساءات العِدى بِالحُسنىوَلا تخل يُسراك مثل اليُمنى
٩٩
وَاحفظ قَليل المال وَالكَثيراوَاحرس صَغير الجُند وَالكَبيرا
١٠٠
لا تحقرن راجِلاً في الفَيلَقفَرُبَّما غلبته بِالبيذق
١٠١
لا تَعطين شَيئاً بِغَير فائِدَهفَإِنَّها مِن السَّجايا الفاسِدَه
١٠٢
لا تَيأَسَن مِن فَرج وَلُطفوَقوة تَظهر بَعدَ ضَعف
١٠٣
فَرُبَّما جاءكَ بَعد الياسروح بِلا كَد وَلا التِماس
١٠٤
فَإِن رَأَيت النَّصر قَد لاحَ لَكافَلا تَقصر وَاحتَرز أن تهلكا
١٠٥
وَالبَغي فَاحذره وَخيم المَرتعوَالعُجب فَاتركه شَديد المَصرَع
١٠٦
عِند تَمام البَدر يَبدو نَقصهورُبَّما ضر الحَريص حِرصه
١٠٧
كَم بطرَ الغالب بَغيا فَتَركعَنهُ التوقي وَاِستَهانَ فَهلك
١٠٨
فرقع الخرق بلطف واجتهدوَامكر إِذا لَم يَنفَع الصدق وَكَد
١٠٩
كَذاكَ في صَفين كانَ الأَمرلَم ينج أَهل الشام إِلا المَكر
١١٠
لَما رَموا بِالصيلم العَظيموَعَجِزوا دَعوا إِلى التَحكيم
١١١
وَاحرص لِتَأخذ بِالخداع ما لهوَلا تبق رجمة رِجاله
١١٢
لا تحقرن مِنهم صَغيراً محتقرفَرُبَّما أَسالَت النفس الأبر
١١٣
أضعفهُ ما اِستَطَعت أن ضعفهيدني وَإِن طالَ مَداه حتفه
١١٤
وَأَبذل لَهُ نَفائس الأَموالتَدفع بِها شَدائد الأَهوال
١١٥
فَالمَرء يفدي نَفسه بِوَفرهعَساه أَن يَنجو بِهِ مِن أَسره
١١٦
كَذاكَ في الشطرنج يَفدى الشاهبِغَيرِهِ مِن فَرط ما يَغشاه
١١٧
وَإِن أَتى في جَحفل عَظيممِن المَوالي وَمِن الصَّميم
١١٨
فَإِن تَكُن كثرتهم مجتمعهلطمع في النَّهب قَد جاوا مَعَه
١١٩
فَاشغلهم بِالنهب عَنهُ واعكرعَلَيهِ وَهوَ آمن لَم يَشعر
١٢٠
كَذاكَ قَيس بن زُهير فعلابِآل بَدر إِذ أَتوه جَحفَلا
١٢١
لَما أَتى حُذيفة بن بَدرفي عَدَد سَد فجاج البر
١٢٢
قالَ الرَّبيع عِندَها لِقَيسأَشر فَأَنتَ حُوَّلٌ ذو كَيس
١٢٣
فَقالَ قَيس ناصِحاً يا عَبسالحَق باد لَيسَ فيهِ لَبس
١٢٤
ما فيهم ذو حَنق عَلَيناوَما لَهُم مِن برةٍ لَدَينا
١٢٥
بَل كُلُّ مَن جاءَ لحرص وَطَمعوَلَو حَوى شَيئاً مِن النهب رجع
١٢٦
وَلَم يُحارب عَن بَني ذبيانمخاطراً بِالنفس وَالحصان
١٢٧
فخلَّفوا الأَموال وَالأَثقالاوَغادَروها لَهُم أنفالا
١٢٨
فَكانَ ما دبَّر قَيس وَافترقجَيش الفَزاري جَميعاً وَانطلق
١٢٩
وَجاءَهُم وَهُم عَلى الهباءةفَساءَ قَيساً أعظم المساءة
١٣٠
وَرُبَّما ضرَّك بَعض مالكاوَساءَكَ المحسن مِن رِجالكا
١٣١
حَتّى تَود أنهُ لَم يَكُنيَوم رَأَيت شَخصه في الزَّمَن
١٣٢
إِن اعتضاد الشاه بِالفرزانمَوعِظَة في السر للسلطان
١٣٣
لِيتَقي في الخَطب بِالوَزيرمُفَوضاً إِلَيهِ في الأُمور
١٣٤
وَكُل إِنسان فَلا بُدَ لَهمِن صاحب يَحمل ما أَثقَله
١٣٥
معاضد في رَأيهِ وَنصحهموافق في حَربِهِ وَصُلحه
١٣٦
وَصاحب للسر ذي كتمانمخالص في السر وَالإعلان
١٣٧
وَالشاه قَد يَحمل في الأَحيانوَحربهُ أغيظ للأقران
١٣٨
وَذاكَ عِندَ شدة شَديدهوَشَوكة وَشيكة حَديده
١٣٩
سار ابن مَروان لِحَرب مصعبوَقالَ إن سارَ سِواي يغلب
١٤٠
وَالحَزم كُل الحَزم في المُطاوَلَةوَالصَّبر لا في سُرعة المُزاوَلَة
١٤١
بِذاكَ شَيخ العَرَب المُهلبُفي حَربِه الشراة كانَ يغلب
١٤٢
لا تحرج الخَصم فَفي إحراجِهجَميع ما تكره مِن لجاجه
١٤٣
إِن عدياً إِذ تَعَدى الحَدّاوَجاءَ في قَتل بَجير إِدَّا
١٤٤
واحرج الحرث لاقى شراوجر من إحراجه ما جرَّا
١٤٥
وَالعقد كَالخندَق في التّحصينوَضَربه العَرضي كَالكَمين
١٤٦
فَإِنَّما الرِّجال بِالإخوانوَاليَد بِالساعد وَالبَنان
١٤٧
كَذَلِكَ السُّلطان بِالرِّجالوَالمال لا ملك بِغَير مال
١٤٨
لا تَطلب الغاية بِاللجاجوَكُن إِذا كَوَيت ذا إنضاج
١٤٩
فَما أَتى القائم مِن أَهل اللعبذو قُوة ظاهرة إِلا غلب
١٥٠
وَقل ما يَلعَب بِالقَوائمإِلا فَتى بِالحَرب غَير عالم

المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.

عن ابن الهبارية

عُرف ابن الهبارية بلقبٍ ورثه عن جدّه لأمّه هبّار، وباسمه الكامل نظام الدين أبي يعلى العباسي الهاشمي. أقام زمنًا في أصبهان حيث كان لملكشاه ووزيره نظام الملك أخبار، ووصفه ابن خلكان بأنه شاعر مجيد حسن المقاصد، غير أن لسانه كان خبيثًا كثير الهجاء لا يكاد يسلم منه أحد. نظم حكايات كليلة ودمنة شعرًا في كتاب «نتائج الفطنة»، وله «الصادح والباغم» أراجيز على النمط نفسه، وتوفي في كرمان.

قصائد أخرى لـابن الهبارية الكل

أبلغ عن خطأ في القصيدة