الشعر الفصيح والنبطي
وكلمات الأغاني
١
بعد أن مت واحتواني الحفيرُجاءني يبلو مُنكَرٌ ونكيرُ
٢
ملَكان اسطاعا الظهور ولا أدري لماذا وكيف كان الظهورُ
٣
لهما وجهان ابتنت فيهما الشررةُ عشاً كلاهما قمطريرُ
٤
ولكلٍّ أنفٌ غليظٌ طويلٌهو كالقرن بالنطاح جديرُ
٥
وفمٌ مهروتٌ يضاهي فم الليث يريني ناباً هي العنقفيرُ
٦
وبأيديهما أفاعٍ غلاظٌتتلوى مخوفةٌ وتدورُ
٧
وإليَّ العيونُ ترسل ناراًشرُّها من وميضها مستطيرُ
٨
كنت في رقدةٍ بقبري إلى أنأيقظاني منها وعاد الشعورُ
٩
فبدا القبرُ ضيقاً ذا وخومٍما به للهواء خرقٌ صغيرُ
١٠
إنه تحت الأرض إلا قليلاًمنزلُ المرء ذي الطموحِ الأخيرُ
١١
ألمن خابَ حفرةٌ ذات ضيقٍولمن فاز روضةٌ وغديرُ
١٢
أتيا للسؤال فَظَّينِ حيث الميتُ بعد استيقاظه مذعورُ
١٣
عن أمورٍ كثيرةٍ قد أتاهايوم في الأرض كان حياً يسيرُ
١٤
صيحة تحت الأرض ثُمَّ حوارٌبين أقساهما وبيني يدورُ
١٥
واقفاً لي كأنما هو نسرٌوكأني أمامهُ عصفورُ
١٦
خار عزمي ولم أكن أتظنَّىأن عزمي يوماً لشيءٍ يخورُ
١٧
ولقد كنتُ في البداءة أشحىمثلما يشحى للخشاة الذعورُ
١٨
ثم إني ملكت نفسي كأنيلست أخشى شيئاً وإني جسورُ
١٩
مظهراً أني كنتُ أحمل نفساًلم يكن للشكوك فيها خطورُ
٢٠
غير أني صدعت بالحق في الآخر حتى التاثت على الأمورُ
٢١
في الأديب الحر النفاق ذميمٌوهو ما لا يرضاه منه الضميرُ
٢٢
فألمَّت بي الرزية حتىضجرت من ضجيج قبري القبورُ
٢٣
قال من أنتَ وهو ينظر شزراًقلت شيخٌ في لحده مقبورُ
٢٤
قال ماذا أتيتَ إذ كنت حياًقلت كل الذي أتيت حقيرُ
٢٥
ليس في أعمالي التي كنت آتيها على وجه الأرض أمرٌ خطيرُ
٢٦
قال في أيٍّ من ضروب الصناعات تخصصت إنهن كثيرُ
٢٧
قلت مارست الشعر أرعى به الحققَ وقد لا يفوتني التصويرُ
٢٨
قال ما دينك الذي كنت في الدنيا عليه وأنت شيخٌ كبيرُ
٢٩
قلت كان الإسلام دينيَ فيهاوهو دينٌ بالإحترام جديرُ
٣٠
قال من ذا الذي عبدت فقلت اللَهَ ربي وهو السميع البصيرُ
٣١
قال مذا كانت حياتك قبلاًيوم أنت الحر الطليق الغريرُ
٣٢
قلت لا تسألنَّني عن حياةٍلم يكن في غضونها لي حبورُ
٣٣
كنت عبداً مسيَّراً غير حرلا خيارٌ له ولا تخييرُ
٣٤
ما حبوني شيئاً من الحول والقدرة حتى أدير ما لا يدورُ
٣٥
كان خيراً مني البهائمُ تثويحيث لا آمرٌ ولا مأمورُ
٣٦
قال هلا كسبت غير المعاصيقلت إن لم أكسب فربي غفورُ
٣٧
كان إثمي أني إذا سألونيلم أقل ما يقوله الجمهورُ
٣٨
إنهم من أوهامهم في إسارٍولقد لا يرضيهم التحريرُ
٣٩
وإذا لم يكن هنالك رأيٌلي أفضي به فلا أستعيرُ
٤٠
ربَّ أمرٍ يقول في شأنه العقلُ نقيض الذي يقول الضميرُ
٤١
ثمراتُ الأحراث لا تتساوىهذه حنطةٌ وهذا شعيرُ
٤٢
وقشورٌ وما هناك لبابٌولبابٌ وما هناك قشورُ
٤٣
يتبع الجاهل الغويُّ أخاهمثلما يتبع الضريرَ الضريرُ
٤٤
قال هل صدقت النبيين فيمابلغوه ولم يُعقْكَ الغرورُ
٤٥
والكتاب الذي من الله قد جاء فأدلى به البشير النذيرُ
٤٦
قلت في خشيةٍ بلى وفؤاديمن شعاع به يكاد يطيرُ
٤٧
إنه مُنزَلٌ من الله يهدي الناس طرَّاً فهو السراج المنيرُ
٤٨
قال هل كنت للصلاة مقيماًقلت عنها ما إن عراني فتورُ
٤٩
إنما في اقتناء حورٍ حسانٍبصلاةٍ تجارةٌ لا تبورُ
٥٠
قال هل صمت الشهر من رمضانقلت قد صمته وطاب الفطورُ
٥١
قال هل كنت للزكاة بِمُؤتٍقلت ما كان بي لها تأخيرُ
٥٢
قال والحج ما جوابك فيهقلت قد كان لي بحجي سرورُ
٥٣
قال هل كنت للجهاد خفيفاًقلت إني لبالجهادِ فخورُ
٥٤
قال هل كنت قائلاً بنشورٍقلت ربي على النشور قديرُ
٥٥
فإذا شاء للعباد نشوراًفمن السهل أن يكون نشورُ
٥٦
قال ماذا تقول في الحشر والميزان ثم الحساب وهو عسير
٥٧
والسؤال الدقيق عن كل شيءوالصراط الذي عليه العبور
٥٨
والجنان التي بها العسل الماذيُّ قد صفوه وفيها الحور
٥٩
وبها ألبانٌ تفيضُ ولهوٌوأباريقُ ثرةٌ وخمور
٦٠
وبها رمانٌ ونخلٌ وأعنابٌ وطلحٌ تشدو عليه الطيور
٦١
ليس فيها أذى ولا موبقاتٌليس فيها شمسٌ ولا زمهرير
٦٢
والجحيم التي بها النار تذكوفي دهور وراءهنَّ دهور
٦٣
إنما المهلُ ماؤها فهو يغليوالهواء الذي يهب الحرور
٦٤
تلك فيها للمجرمين عذابٌتلك فيها للكافرين سعير
٦٥
إن من كان كافراً فهو فيهاوإن اعتاد أن يبرَّ خسير
٦٦
هو في نارها الشديدة حران وفي زمهريرها مقرور
٦٧
قلت مهلاً يا أيها الملك المُلحِف مهلاً فإن هذا كثير
٦٨
كان إيماني في شبابي جمّاًما به نزرةٌ ولا تقصير
٦٩
غير أنَّ الشكوك هبَّت تلاحيني فلم يستقرَّ مني الشعور
٧٠
ثم عادَ الإيمان يقوى إلى أنسلَّه الشيطان الرجيمُ الغرور
٧١
ثم آمنت ثم ألحدتُ حتىقيل هذا مذبذب ممرور
٧٢
ثم دافعت عنه بعد يقينٍمثلما يفعل الكميُّ الجسور
٧٣
وتعمَّقتُ في العقائد حتىقيل هذا علامةٌ نحرير
٧٤
ثم إني في الوقت هذا لخوفيلست أدري ماذا اعتقادي الأخير
٧٥
لم يُربني أمرُ الصراط مقاماًفوق وادٍ من الجحيم يفور
٧٦
غير أني أجل ربي من إتيانِ ما يأباه الحجى والضمير
٧٧
فإذا صح أنه كغرار السيفِ أو شعرةٍ فكيف العبور
٧٨
لا تخل أن عبر جسرٍ دقيقذرعه آلاف السنين يسير
٧٩
إنَّ ألفاً منه صعودٌ وألفاًذو استواءٍ سمح وألفاً حدور
٨٠
إنها شقةٌ تطول فلا يقطعها إلا البهمةُ المحضير
٨١
ولعل الذين ضحوا بأكباش عليهم بها يهون المرور
٨٢
أنا لو كنت بالبعير أضحيسار بي مرقلاً عليه البعير
٨٣
ولو اَني ركبت صهوة يعفورٍ مضى بي يستعجلُ اليعفور
٨٤
ولو اَني هويتُ لا سمح الرحمَن منه فيها لساءَ المصير
٨٥
لا يطيب الخلود في لجج النار فإن الخلود شيءٌ كثير
٨٦
ربنا لا ترسل علينا عذاباًليس فينا على العذاب صبور
٨٧
ربنا ارفق بنا فإنا ضعافٌما لنا من حولٍ وأنت القدير
٨٨
قال ماذا رأيت في الجن قبلاًومن الجن صالح وشرير
٨٩
ثم في جبريل الذي هو بين اللَهِ ذي العرش والرسول سفير
٩٠
ثم في الأبرار الملائك حول العرشِ والعرش قد زهاه النور
٩١
فتدوي السماء في السمع من تسبيحهم مثلما يدوي القفير
٩٢
ثم في الخناسِ الذي ليس من وسواسه في الحياة تخلو الصدور
٩٣
والعفاريت ذاهبين عراةًتجفل الوحشُ منهمُ والطيور
٩٤
والشياطين مفسدين بهم قدضلَّ ناسٌ هم الفريق الكبير
٩٥
قلت لله في السماوات والأرضِ وما بينهن خلقٌ كثير
٩٦
غير أني أرتابُ في كل ما قدعجز العقل عنه والتفكير
٩٧
لم يكن في الكتاب من خطأٍ كَللا ولكن قد أخطأ التفسير
٩٨
قال هل في السفور نفعٌ يرجَّىقلت خيرٌ من الحجاب السفور
٩٩
إنما في الحجاب شلٌّ لشعبٍوخفاءٌ وفي السفور ظهور
١٠٠
كيف يسمو إلى الحضارة شعبٌمنه نصفٌ عن نصفه مستور
١٠١
ليس يأتي شعب جلائلَ ما لمتتقدم إناثه والذكور
١٠٢
إنَّ في رونق النهار لناساًلم يَزُل عن عيونها الديجور
١٠٣
قال هل في الإله عندك شكقلت لا والذي إليه المصير
١٠٤
قال ماذا هو الإله فهل أنت مجيبي كما يجيب الخبير
١٠٥
قلت إنَّ الإله فوق منال العقل منا وهو العزيز الكبير
١٠٦
إنما هذه الطبيعة ذات اللاتناهي كتابُهُ المسطور
١٠٧
إنها للإله سفرٌ قديمٌذو فصول والكائناتُ السطور
١٠٨
ولقد قال ناعتوه هو العالم منا بما تكنُّ الصدور
١٠٩
إنه في الجبال والبر والبحر من الأرض والسماوات نور
١١٠
فله الأرض ما لها من سكونوالسماوات ما بهنَّ فطور
١١١
كل حيٍّ به يعيش ويردىوكما قد أراد تجري الأمور
١١٢
إنه واهبُ الوجود فلولاه لما كان للوجود ظهور
١١٣
إنه واجبُ الوجود فقد كان ولا عالمٌ ولا دستور
١١٤
عرشه في السماء وهو عليهمستوٍ ما لأمره تغيير
١١٥
وهو يهتز للمعاصي كما يهتزُّ في زرقة الصباح السرير
١١٦
وهو إن قال كن لشيءٍ يكون الشيءُ من فوره فلا تأخير
١١٧
إن هذا ما قد تلقنته والقلبُ من شكهِ يكادُ يخور
١١٨
قلت ما قلت ثم إنك لا تدري أحقٌّ ما قلته أم زور
١١٩
وأرى في الصفات ما هو للَهِ تعالت شؤونه تصغير
١٢٠
ما عقابي من بعد ما صح نقلاًأنَّ ما قد أتيتهُ مقدور
١٢١
ليس لي في ما جئته من خيارٍإنني في جميعه مجبور
١٢٢
وإذا كان منه كفري وإيماني فإن الجزاءَ شيءٌ نكير
١٢٣
أللهو والله ليس بلاهٍأم لجورٍ والله ليس يجور
١٢٤
أمنَ الحقِّ خَلقُ إبليس وهو المستبدُّ المضلِّلٌ الشرير
١٢٥
إنه يلقي في النفوس شكوكاًذات أظفارٍ نزعهنَّ عسير
١٢٦
إنما في الدارين عسفٌ وحيفٌغير أنَّ السماءَ ليست تمور
١٢٧
فلناس تعاشةٌ وشقاءٌولناسٍ سعادةٌ وسرور
١٢٨
قال ما ذاته فقلت مجيباًبلسانٍ قد خانه التفكير
١٢٩
إنني لا أدري من الذات شيئاًفلقد أسدلت عليها الستور
١٣٠
إنما علمي كله هو أن اللَهَ حي وأنه لا يبور
١٣١
ما لكل الأكوان إلا إلهٌواحدٌ لا يزول وهو الأثير
١٣٢
منه هذا الوجود فاضَ عميماًوإليه بعد البوار يصير
١٣٣
ليس بين الأثير والله فرقٌفي سوى اللفظ إن هداك الشعور
١٣٤
وبحبسي أني صدعتُ بما أدري على علمي أنه سيضير
١٣٥
وإذا لم أرد لأبسط رأييفي جوابي فإنني معذور
١٣٦
أمن السهل أن أغيرَ قلبيبعد ما في فَوديَّ بان القتير
١٣٧
قال إني أرى بخدك تصعيرا فهل أنت يزدهيك الغرور
١٣٨
قلت من مات لا يصعِّر خداًليس بالموتى يخلق التصعير
١٣٩
إنني أخشى الظالمين فلا أفضي إليهم بما برأسي يدور
١٤٠
أي ذي مسكةٍ يقول صريحاًوعليها سيف الأذى مشهور
١٤١
لا تكونا عليَّ فظَّين في قبري فإني شيخٌ بعطفٍ جدير
١٤٢
إنَّ قول الحقِّ الصراح على الأحرار حتى في قبرهم محظور
١٤٣
فدعاني في حفرتي مستريحاًأنا من ضوضاء الحياة نفور
١٤٤
أتعبتني الأيام إذ كنت حيافأنا اليوم للسكون فقير
١٤٥
أتركاني وحدي ولا تزعجانيبزياراتٍ ما بهنَّ سرور
١٤٦
اتركاني ولا تزيدا عنائيبسؤالٍ فإني موتور
١٤٧
لم تُصَنْ من جراءة المستبدينَ عَلى الهالكين حتى القبور
١٤٨
كيف أفضيتما إليَّ بقبريوعليه جنادلٌ وصخور
١٤٩
قلت لما هبطتُ أعماقَ قبريليس خيراً من البطون الظهور
١٥٠
وإذا القبر ضيقٌ بذويهوإذا القبر فيه كربٌ كثير

المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.

عن جميل صدقي الزهاوي

شاعر بغدادي جمع بين الشعر والفلسفة، وُصف بأنه من طلائع نهضة الأدب العربي الحديث ورائد من روّاد التفكير العلمي. نشأ في بيت علم ووجاهة، إذ كان أبوه مفتي بغداد، فنظم بالعربية والفارسية منذ حداثته. تقلّب في مناصب تعليمية وقضائية ونيابية، من أستاذية الفلسفة الإسلامية في الآستانة إلى عضوية مجلس الأعيان العراقي. كتب في الفلسفة وترجم رباعيات الخيام شعرًا ونثرًا، وسمّاه رفائيل بطي فيلسوف بغداد في القرن العشرين.

قصائد أخرى لـجميل صدقي الزهاوي الكل

على البحر والقافية نفسيهما

أبلغ عن خطأ في القصيدة