الشعر الفصيح والنبطي
وكلمات الأغاني
١
إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَفلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ
٢
ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجليولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ
٣
ومَن لم يعانقْهُ شَوْقُ الحياةِتَبَخَّرَ في جَوِّها واندَثَرْ
٤
فويلٌ لمَنْ لم تَشُقْهُ الحياةُمن صَفْعَةِ العَدَمِ المنتصرْ
٥
كذلك قالتْ ليَ الكائناتُوحدَّثَني روحُها المُستَتِرْ
٦
ودَمْدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجاجِوفوقَ الجبالِ وتحتَ الشَّجرْ
٧
إِذا مَا طَمحْتُ إلى غايةٍرَكِبتُ المنى ونَسيتُ الحَذرْ
٨
ولم أتجنَّبْ وُعورَ الشِّعابِولا كُبَّةَ اللَّهَبِ المُستَعِرْ
٩
ومن لا يحبُّ صُعودَ الجبالِيَعِشْ أبَدَ الدَّهرِ بَيْنَ الحُفَرْ
١٠
فَعَجَّتْ بقلبي دماءُ الشَّبابِوضجَّت بصدري رياحٌ أُخَرْ
١١
وأطرقتُ أُصغي لقصفِ الرُّعودِوعزفِ الرّياحِ وَوَقْعِ المَطَرْ
١٢
وقالتْ ليَ الأَرضُ لما سألتُأيا أمُّ هل تكرهينَ البَشَرْ
١٣
أُباركُ في النَّاسِ أهلَ الطُّموحِومَن يَسْتَلِذُّ ركوبَ الخطرْ
١٤
وأَلعنُ مَنْ لا يماشي الزَّمانَويقنعُ بالعيشِ عيشِ الحجرْ
١٥
هو الكونُ حيٌّ يحبُّ الحَيَاةَويحتقرُ الميْتَ مهما كَبُرْ
١٦
فلا الأُفقُ يَحْضُنُ ميتَ الطُّيورِولا النَّحْلُ يلثِمُ ميْتَ الزَّهَرْ
١٧
ولولا أُمومَةُ قلبي الرَّؤومُ لمَاضمَّتِ الميْتَ تِلْكَ الحُفَرْ
١٨
فويلٌ لمنْ لم تَشُقْهُ الحَيَاةُمنْ لعنةِ العَدَمِ المنتصرْ
١٩
وفي ليلةٍ مِنْ ليالي الخريفِمتقَّلةٍ بالأَسى والضَّجَرْ
٢٠
سَكرتُ بها مِنْ ضياءِ النُّجومِوغنَّيْتُ للحُزْنِ حتَّى سَكِرْ
٢١
سألتُ الدُّجى هل تُعيدُ الحَيَاةُلما أذبلته ربيعَ العُمُرْ
٢٢
فلم تَتَكَلَّمْ شِفاهُ الظَّلامِ ولمْتترنَّمْ عَذارَى السَّحَرْ
٢٣
وقال ليَ الغابُ في رقَّةٍمحبَّبَةٍ مثلَ خفْقِ الوترْ
٢٤
يجيءُ الشِّتاءُ شتاءُ الضَّبابِشتاءُ الثّلوجِ شتاءُ المطرْ
٢٥
فينطفئُ السِّحْرُ سحرُ الغُصونِوسحرُ الزُّهورِ وسحرُ الثَّمَرْ
٢٦
وسحْرُ السَّماءِ الشَّجيّ الوديعُوسحْرُ المروجِ الشهيّ العَطِرْ
٢٧
وتهوي الغُصونُ وأوراقُهاوأَزهارُ عهدٍ حبيبٍ نَضِرْ
٢٨
وتلهو بها الرِّيحُ في كلِّ وادٍويدفنها السَّيلُ أَنَّى عَبَرْ
٢٩
ويفنى الجميعُ كحلْمٍ بديعٍتأَلَّقَ في مهجةٍ واندَثَرْ
٣٠
وتبقَى البُذورُ التي حُمِّلَتْذخيرَةَ عُمْرٍ جميلٍ غَبَرْ
٣١
وذكرى فصولٍ ورؤيا حَياةٍوأَشباحَ دنيا تلاشتْ زُمَرْ
٣٢
معانِقَةً وهي تحتَ الضَّبابِوتحتَ الثُّلوجِ وتحتَ المَدَرْ
٣٣
لِطَيْفِ الحَيَاة الَّذي لا يُملُّوقلبُ الرَّبيعِ الشذيِّ الخضِرْ
٣٤
وحالِمةً بأغاني الطُّيورِوعِطْرِ الزُّهورِ وطَعْمِ الثَّمَرْ
٣٥
ويمشي الزَّمانُ فتنمو صروفٌوتذوي صروفٌ وتحيا أُخَرْ
٣٦
وتَصبِحُ أَحلامَها يقْظةًموَشَّحةً بغموضِ السَّحَرْ
٣٧
تُسائِلُ أَيْنَ ضَبابُ الصَّباحِوسِحْرُ المساءِ وضوءُ القَمَرْ
٣٨
وأَسرابُ ذاكَ الفَراشِ الأَنيقِونَحْلٌ يُغنِّي وغيمٌ يَمُرْ
٣٩
وأَينَ الأَشعَّةُ والكائناتُوأَينَ الحَيَاةُ التي أَنْتَظِرْ
٤٠
ظمِئْتُ إلى النُّورِ فوقَ الغصونِظمِئْتُ إلى الظِّلِّ تحتَ الشَّجَرْ
٤١
ظمِئْتُ إلى النَّبْعِ بَيْنَ المروجيغنِّي ويرقصُ فوقَ الزَّهَرْ
٤٢
ظمِئْتُ إلى نَغَماتِ الطُّيورِوهَمْسِ النَّسيمِ ولحنِ المَطَرْ
٤٣
ظمِئْتُ إلى الكونِ أَيْنَ الوجودُوأَنَّى أَرى العالَمَ المنتظَرْ
٤٤
هُو الكونُ خلف سُبَاتِ الجُمودِوفي أُفقِ اليَقظاتِ الكُبَرْ
٤٥
وما هو إلاَّ كَخَفْقِ الجناحِحتَّى نما شوقُها وانتصَرْ
٤٦
فصدَّعَتِ الأَرضُ من فوقهاوأَبْصرتِ الكونَ عذبَ الصُّوَرْ
٤٧
وجاءَ الرَّبيعُ بأَنغامهِوأَحلامِهِ وصِباهُ العَطِرْ
٤٨
وقبَّلها قُبَلاً في الشِّفاهِتُعيدُ الشَّبابَ الَّذي قدْ غَبَرْ
٤٩
وقال لها قدْ مُنِحْتِ الحَيَاةَوخُلِّدْتِ في نَسْلِكِ المدَّخَرْ
٥٠
وباركَكِ النُّورُ فاستقبليشَبابَ الحَيَاةِ وخصْبَ العُمُرْ
٥١
ومن تَعْبُدُ النُّورَ أَحلامهُيُبارِكُهُ النُّورُ أَنَّى ظَهَرْ
٥٢
إليكِ الفضاءَ إليكِ الضِّياءَإليكِ الثَّرى الحالمَ المزدهر
٥٣
إليكِ الجمالُ الَّذي لا يَبيدُإليكِ الوُجُودَ الرَّحيبَ النَّضِرْ
٥٤
فميدي كما شئتِ فوقَ الحقولِبحُلْوِ الثِّمارِ وغضِّ الزَّهَرْ
٥٥
وناجي النَّسيمَ وناجي الغيومَوناجي النُّجومَ وناجي القَمَرْ
٥٦
وناجي الحياة وأشواقهاوضنة هذا الوجود الأغر
٥٧
وشفَّ الدُّجى عن جمالٍ عميقٍيُشِبُّ الخيالَ ويُذكي الفِكَرْ
٥٨
ومُدَّ على الكونِ سحرٌ غريبٌيصرّفُهُ ساحرٌ مقتدِرْ
٥٩
وضاءَتْ شموعُ النُّجُومِ الوِضَاءِوضاعَ البَخُورُ بَخُورُ الزَّهَرْ
٦٠
ورَفْرَفَ روحٌ غريبُ الجمالبأَجنحةٍ من ضياءِ القَمَرْ
٦١
وَرَنَّ نشيدُ الحَيَاةِ المقدَّسفي هيكلٍ حالِمٍ قدْ سُحِرْ
٦٢
وأُعْلِنَ في الكونِ أنَّ الطّموحَلهيبُ الحَيَاةِ ورُوحُ الظَّفَرْ
٦٣
إِذا طَمَحَتْ للحَياةِ النُّفوسُفلا بُدَّ أنْ يستجيبَ القَدَرْ

المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.

شرح الأبيات (أول ٢٥ بيتًا)

هذه القصيدة لشاعر تونس أبي القاسم الشابي، وتُعرف أيضًا باسم «إرادة الحياة»، وهي من ديوانه «أغاني الحياة». غرضها الحثّ على التمسك بالحياة والطموح والثورة على الذل والجمود، ويستنطق فيها الشاعر الطبيعة (الريح والأرض والغاب) لتؤكد أن الكون يحب الحياة ويحتقر الضعف. وقد صار مطلعها جزءًا من النشيد الوطني التونسي.

١

إذا صمّم الشعب على أن يحيا حياة حرة كريمة فلا بد أن تتحقق إرادته بإذن الله.

القدر: قضاء الله وما يجري به من أحداث

٢

لا بد أن يزول ليل الظلم والاستعمار، وأن تتحطم قيود العبودية أمام إرادة الشعب.

ينجلي: ينكشف ويزولالقيد: رمز الاستعمار والعبودية

٣

من لم يملأ قلبَه حبُّ الحياة والشوق إليها تلاشى وضاع ولم يبقَ له أثر.

تبخّر: تلاشى كما يتلاشى البخاراندثر: زال وانمحى أثره

٤

الهلاك لمن لا يشتاق إلى الحياة، فإن الفناء سيغلبه ويصفعه صفعة المنتصر.

تَشُقْه: تُثِر شوقه وتجذبهالعدم: الفناء والموت

٥

هذه الحقيقة علّمتني إياها المخلوقات، وأوحت بها إليّ روحها الخفية.

الكائنات: المخلوقات وعناصر الطبيعةالمستتر: الخفي

٦

وهدرت الريح في كل مكان بين الأودية وفوق الجبال وتحت الأشجار تؤكد هذا المعنى.

دمدمت: أصدرت صوتًا متتابعًا عميقًاالفجاج: الطرق الواسعة بين الجبال

٧

(على لسان الريح) إذا سعيت إلى هدف امتطيت آمالي واندفعت إليه دون تردد أو خوف.

طمحت: تطلّعت وسعيتالمنى: الآمال

٨

ولا أتهرب من المصاعب والمخاطر مهما كانت شديدة كالطرق الوعرة أو اللهب المشتعل.

وعور: الأماكن الصعبة المسالكالشعاب: الطرق في الجبالكُبّة: معظم الشيء وشدتهالمستعر: المتّقد الملتهب

٩

من يكره المشقة والارتقاء إلى المعالي يعش طوال عمره ذليلًا في المنازل الدنيا.

الحفر: المنخفضات، رمز الذل والهوان

١٠

فلما سمعت ذلك ثارت في قلبي حماسة الشباب، وهاجت في صدري مشاعر قوية جديدة.

عجّت: فارت واضطربت بقوةضجّت: صاحت وثارت

١١

فسكتُّ متأملًا أستمع إلى أصوات الطبيعة من رعد ورياح ومطر كأنها تخاطبني.

أطرقت: سكتُّ مطأطئ الرأس متأملًاأُصغي: أستمع بانتباه

١٢

وسألت الأرض مناديًا إياها بـ«يا أمّ»: هل تكرهين البشر؟ فأجابتني بما يأتي.

١٣

قالت الأرض: أبارك من الناس أصحاب الطموح الذين يستمتعون بمواجهة الأخطار.

يستلذّ: يجد لذة ومتعة

١٤

وألعن من يتخلف عن ركب الحياة ويرضى بعيش جامد خامل كعيش الحجر.

لا يماشي الزمان: لا يساير التطور والتقدم

١٥

الكون كله كائن حي يحب الحياة، ويحتقر الميت (الخامل) مهما كانت مكانته عظيمة.

١٦

فالسماء لا تحتضن الطيور الميتة، والنحل لا يقترب من الزهور الذابلة؛ فالحياة لا تحتفي إلا بالحي.

الأفق: السماء الممتدةيلثم: يقبّل

١٧

ولولا حنان قلبي الأمومي لما قبلتُ أن تضم القبورُ الموتى في جوفي.

الرؤوم: الشديدة العطف والحنان

١٨

الهلاك لمن لا يحب الحياة، فإن لعنة الفناء ستلحقه وتنتصر عليه.

لعنة: الطرد والإبعاد

١٩

وفي ليلة خريفية مليئة بالحزن والملل كان الشاعر يتأمل.

متقّلة: مثقَلة محمّلةالأسى: الحزنالضجر: الملل والضيق

٢٠

انتشيت في تلك الليلة بجمال ضوء النجوم، وغنيت للحزن حتى كأنه انتشى هو أيضًا.

سكرت: انتشيت وغبت عن نفسي

٢١

سألت الظلام: هل تعيد الحياة ربيع الشباب ونضارته إلى ما أذبلته وأفنته؟

الدجى: الظلامأذبلته: أفقدته نضارته

٢٢

فلم يُجب الظلام بشيء، وسكتت أطياف السحر فلم تغنِّ جوابًا.

تترنّم: تغنّي بصوت عذبعذارى السحر: تشبيه لنسمات آخر الليل وأطيافه بالفتيات الأبكار

٢٣

فأجابه الغاب بصوت رقيق محبَّب عذب كنغمة الوتر.

الغاب: الغابةخفق الوتر: اهتزاز وتر العود ونغمه

٢٤

قال الغاب: يأتي الشتاء بضبابه وثلوجه وأمطاره.

الضباب: بخار كثيف يحجب الرؤية

٢٥

فيزول جمال الطبيعة وسحرها من أغصان وزهور وثمار، تمهيدًا لبيان أن الحياة تتجدد بعد ذلك.

ينطفئ: يخبو ويزول

شرح مكتوب آليًا بمساعدة الذكاء الاصطناعي لطلاب المرحلة الثانوية، وقد يقع فيه خطأ. رأيت خطأ؟ استخدم زر «أبلغ عن خطأ».

عن أبو القاسم الشابي

عُرف أبو القاسم الشابي بلقب شاعر الخضراء، وهو ابن قرية الشابية في ولاية توزر، حيث وُلد وتعلّم ثم رحل إلى تونس للدراسة في المعهد الزيتوني ومدرسة الحقوق. كتب الشعر وخلّف ديوانًا وكتابًا عن الخيال الشعري عند العرب، كما دوّن مذكراته. رحل شابًا بداء الصدر فدُفن في روضة الشابي بمسقط رأسه، وبقي اسمه حاضرًا في الذاكرة الأدبية حتى أُنشئت جائزة أدبية تونسية تحمل اسمه عام 1984.

قصائد أخرى لـأبو القاسم الشابي الكل

على البحر والقافية نفسيهما

أبلغ عن خطأ في القصيدة