الشعر الفصيح والنبطي
وكلمات الأغاني
١
زُر السجن في بغداد زورة راحملتَشهَد للأنكاد أفجع مشهد
٢
محلّ به تهفو القلوب من الأسىفإن زرتَه فاربط على القلب باليد
٣
مربَّع سور قد أحاط بمثلهمحيط بأعلى منه شِيدَ بقرمد
٤
وقد وصلوا ما بين ثان وثالثبمعقود سقف بالصخور مُشيَّد
٥
وفي ثالث الأسوار تشجيك ساحةٌتمور بتيّار من الخسف مُزبِد
٦
ومن وسط السور الشَماليّ تنتهيإليها بمسدود الرتاجين مُوصَد
٧
هي الساحة النكراء فيها تلاعبَتْمخاريق ضيم تخلِط الجِدّ بالدَد
٨
ثلاثون متراً في جدار يحيطهابسمكٍ زهاءِ العشر في الجو مُصعِد
٩
تواصلت الأحزان في جنباتهابحيث متى يبَلَ الأسى يَتَجدَّد
١٠
تَصَعَّدَ من جوف المراحيض فوقهابخار إذا تَمرُرْ به الريح تَفْسُد
١١
هناك يودّ المرء لوقاءَ نفسَهوأطلقها من أسر عيشٍ مُنكَّد
١٢
فقف وسطها وانظر حوالَيْك دائراًإلى حُجَر قامت على كل مُقْعَد
١٣
مقابر بالأحياء غصَّتْ لُحُودُهابخمس مئين أنفس أو بأزيد
١٤
وقد عَمِيَتْ منها النوافذ والكُوىفلم تكتحل من ضوء شمس بمروَد
١٥
تظنّ إذا صدرَ النهار دخلتَهاكأنّك في قِطع من الليل أسود
١٦
فلو كان للعُبّاد فيها إقامةٌلصلَّوا بها ظهراً صلاة التَهَجُّد
١٧
يزور هبوبُ الريح إلاّ فناءهافلم تَحْظَ من وصل النسيم بمَوْعد
١٨
تَضيق بها الأنفاس حتى كأنماعلى كل حيزوم صفائح جَلْمَد
١٩
وحتى كأن القوم شُدَّتْ رقابهمبحبل خِناق مُحكَم الفتل مُحصَد
٢٠
بها كل مخطوم الخشام مذلّلٍمتى قِيد مجروراً إلى الضيم ينقد
٢١
يَبيت بها والهمّ ملءُ إهابهبليلةِ مَنْبُول الحشا غير مُقصَد
٢٢
يُميت بمكذوب العزاء نهارهويحيي الليالي غيرَ نوم مُشَرَّد
٢٣
يَنُوءُ بأعباء الهوان مقيَّداًويكفيه أن لو كان غير مقيّد
٢٤
وتَقْذِفهم تلك القبور بضغطهاعليهم لحرّ الساحة المتوقِّد
٢٥
فيرفع بعض من حصير ظلالةًويجلس فيها جلسة المتعبّد
٢٦
وليس تقيه الحرّ إلا تَعِلّةًلنفس خلت من صبرها المتبدّد
٢٧
وبالثوب بعض يستظِلُّ وبعضهمبنسج لعاب الشمس في القَيْظ يرتدي
٢٨
فمن كان منهم بالحصير مُظَّللاًيعدّونه ربّ الطِراف الممدّد
٢٩
تراهم نهار الصيف سُفْعاً كأنهمأثافيّ أصلاها الطُهاة بمَوْقِد
٣٠
وجوه عليها للشُحوب ملامحتلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
٣١
وقد عمّهم قَيد التعاسة مُوثَقاًفلم يتميّز مُطلَق عن مقيّد
٣٢
فسيّدهم في عيشه مثل خادموخادمهم في ذُلّةِ مثل سيّد
٣٣
يخوضون في مستنقع من روائحخبائثَ مهما يَزْدَدِ الحرُّ تَزْدَد
٣٤
تدور رؤس القوم من شمّ نَتْنهافمَن يك منهم عادم الشمّ يُحسَد
٣٥
تراهم سكارى في العذاب وما همسكارى ولكن من عذاب مُشدَّد
٣٦
وتحسبَهم دوداً يعيش بحمأةوما هو من دود بها متولِّد
٣٧
ألا رب حرّ شاهد الحكم جائراًيقود بنا قَوْد الذَلول المعبَّد
٣٨
فقال ولم يَجهَر ونحن بمنتدىًبه غير مأمون الوشاية ينتدى
٣٩
على أي حكم أن لأية حكمةببغداد ضاع الحقُّ من غير منشد
٤٠
فأدنيت للنجوى فمي نحو سمعهوقلت لأن العدل لم يتبغدد
٤١
رعى الله حيّاً مستباحاً كأنهمن الذُعر أسراب النَعام المطرَّد
٤٢
وما صاحب البيت الحقير بناؤهابأفزع من ربّ البّلاط الممرَّد
٤٣
وما ذاك إلاّ أنهم قد تخاذلواولم ينهضوا للخصم نهضة مُلِبد
٤٤
فناموا عن الجُلَّى ونمتُ كنومهمسوى نَوْحةٍ مني بشعر مغرِّد
٤٥
وهل أنا إلا من أولئك أن مشوامشيت وأن يَقعُد أولئك أقعد
٤٦
وكمُ رمتُ أيقاظاً فأعيا هُبُوبُهموكيف وعزم القوم شارب مُرقِد
٤٧
نهوضاً نهوضاً أيها القوم للعلالتبنوا لكم بنيان مجدٍ مُوَطَّد
٤٨
تقدمنا قوم فأبْعَدَ شوطُهموقد كان عنا شوطهم غيرَ مُبْعِد
٤٩
وسدّ علينا الاعتشافُ طريقَنافأجحف بالغَوْريّ والمتنجِّد
٥٠
أفي كل يوم يزحف الدهر نحونابجندٍ من الخطب الجليل مجنَّد
٥١
فيا ربّ نَفِّس من كروب عظيمةويا ربّ خفّف من عذاب مشدَّد

المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.

عن معروف الرصافي

عُرف معروف الرصافي بأنه شاعر العراق في عصره، وقد ارتبط اسمه ببغداد حيث وُلد ونشأ في الرصافة. تتلمذ للمحمود شكري الآلوسي زهاء عشر سنوات، واشتغل بالتعليم، ثم رحل إلى الأستانة بعد الدستور العثماني فعمل معلمًا للعربية وانتخب نائبًا في مجلس المبعوثان. عاش فقيرًا حتى وفاته في بيته بالأعظمية، وترك ديوانًا شعريًا وكتبًا في اللغة والنقد.

قصائد أخرى لـمعروف الرصافي الكل

على البحر والقافية نفسيهما

أبلغ عن خطأ في القصيدة