١
يا حبيبي، يا ملتقى الشعر والفتْنةِ، يا غالبي على أمرِ نفسي
٢
لم كانت ولا أسومُكَ لوْمًاقسْمتي في هواكَ قسْمةَ وكْسِ
٣
ألأني آثرْتُ في حُبّك القاهرِ عزّي، ذهبْتَ تطلبُ نفسي؟
٤
أم لأني ضحيةُ الألمِ الصَّامتِ أطوي على المواجع حِسِّي؟
٥
لم أهواكَ؟ أيها المفعمُ النَّفْس، شجونا، وحيْرةً وشقاءَ؟
٦
ألحُسْنٍ؟ فالحسن في البدر والزَّهْرةِ أندى وقْعًا وأَضْفَى رُواءَ؟
٧
أَمْ لمعنًى شفَّت مفاتنُكَ العَذْبةُ عنه، فكاد أن يتراءى؟
٨
فالمعاني في الكون ليست على الإنسانِ وقْفًا إلا هوًى وادّعاءَ!
٩
والمعاني بوحيها، ومدى الوحيِ عميقٌ، فيما يضمُّ الوجودُ
١٠
فتراها في قطعة الأرض والصَّخْرةِ، شعرًا لم يُبْلهِ الترديدُ
١١
وتراها في نأْمةِ الطير للطَّيْرِ نشيدًا، لم يجْرِ فيه القصيدُ
١٢
وتراها في لفْتة الظبي للظَّبْيةِ سحرًا يُبْدِى، وحينا يُعيدُ
١٣
وتراها فيما ترى من جميلٍوقبيح، وهيِّنٍ، وعظيمِ
١٤
صورًا حيّةً، يناجيك منهاألفُ وجهٍ من كالحٍ ووسيم
١٥
كلُّ وجهٍ دنيا بتاريخه النَّابضِ، تصْبَى بحادثٍ وقديمِ
١٦
وفضاءٍ لا يعرفُ الحدَّ والقيْدَ، ولا وغْرةَ الضَّنى والسُّهومِ
١٧
أم لحسنٍ، والحسنُ في البرعمِ المكْمومِ، لطفٌ يسري، وروحٌ يرفُّ
١٨
وهو في مولد الربيعِ حياةٌتتصبَّى، وفتنةٌ تستَخفُّ
١٩
وهو في لفتة الخريفِ وداعٌودموعٌ ثرّارةٌ، ما تجفُّ
٢٠
وهو في عُزلة الشتاء انقباضٌوصُموتٌ، يُعدي المشاعرَ، وحْفُ
٢١
وهو في وقْدةِ الظهيرةِ شكوىمرهَقٍ ضاق بالظهيرةِ ذَرْعا
٢٢
وهو في همسة الجداولِ لحنٌطاب في مسمع الطبيعة وقْعا
٢٣
وهو في ملتقى الزهور حديثٌلم تُضيّعْ له النسائمُ رَجْعا
٢٤
وهو في الأرض والسماءِ جمالٌيتفشَّى هوًى، وينسابُ لمْعا
٢٥
ألهذا أهواكَ؟ يا مُثقلَ القلْبِ بهمٍّ من الشقاءِ طويلِ!
٢٦
أم لذلٍّ أَذقْتني منه ما أَظْمأَ روحي على رِواء مَخيلي
٢٧
أم لهذا الفتون يروى به غيْريَ غُلاّ، وما يبلُّ غليلي؟
٢٨
أم لجهلٍ عرفْتُ سيماءهُ فيكَ، وشأنٍ من الذكاءِ ضئيلِ؟
٢٩
أتُراني أهواكَ حقًا، فما فيكَ لمثلي معنًى يُمازجُ حِسِّي؟
٣٠
أم تُراني أهواكَ زورًا؟ فلِمْ يُصْبحُ قلبي على هواكَ ويُمسي؟
٣١
أم تراني أُحبُّ فيك وما أشعرُ نفسي، وأنت عندي كنفسي؟
٣٢
لأَنا منك في سبيل من الحيْرةِ، تُضْني عقلي، وتُثْقلُ حَدْسي!
٣٣
لسْتَ تدري! نعمْ، ولا أنا أدريلمَ تهفو إلى لقائكَ رُوحي؟
٣٤
ولماذا أكونُ فيك، كما ترْسفُ في السجنِ فكرةُ المكبوحِ؟
٣٥
ولماذا أكون إن غبْتَ في دُنْيا سئومٍ، جمِّ الكُروبِ، طليح؟
٣٦
فإذا لُحْتَ أشَرقتْ، وتلَقّتْني بوجهٍ طَلْقِ المُحيّا صبيحِ
٣٧
لستُ أهواكَ لاهويتُكَ للحسْنِ، فهل فيك غير حُسنٍ علِيلِ؟
٣٨
لا، ولا للشباب،والعُمُرِ الغضِّفعمرُ الشباب غيرُ طويلِ
٣٩
لا، ولا للشعور أو لمحة الحُسْنِ، هما فيك مثل رسمٍ مُحيلِ
٤٠
ومجالُ الحياة أَحفلُ بالحُسْْنِ، ولكنَّهُ شقاءُ العقولِ
٤١
أنتَ في فكرتي عَناءٌ وقيْدٌوبقلبي أسًى يَلِظُّ شعوري
٤٢
يبسم الناسُ للحياة وأُغضيدون غايات لهوهم كالأسيرِ
٤٣
حال حسنُ الحياةِ والنورُ في عَيْني، فنفسي تهيمُ في ديْجورِ
٤٤
وأراني أستروحُ النَّسْمَةَ الحيْرَى، وجدواكَ لي كجدوى الهجيرِ
٤٥
أيّ حاليْكَ أشتكي؟ أنت في القُرْبِ، وفي البعد مطمعٌ ممطولُ؟
٤٦
وكم ارتحْتَ لي بجملةِ ما فيكَ، فلم يَرْوَ لي عليه غليلُ
٤٧
أوراءَ السِّماتِ من حُسْنكَ الذَّابل وردٌ بما أُريدُ حفيلُ؟
٤٨
لستُ أدري، أذاك من صُنْعِ وهميفيكَ، أم أنه جمالٌ أصيلُ؟
٤٩
لتمنَّيْتُ أن أكونَ عبيرًاضلَّ مسراهُ، في جوانبِ صدرِكْ
٥٠
أو دمًا شفَّ في عُروقكَ عن سرِّمعانيكَ، في مفاتن سِحْرِكْ
٥١
أو خيالاً يجولُ في قلبكَ السَّاذجِ، قرّتْ فيه حقيقةُ أمرِكْ
٥٢
أو كلاما يدور في فيكَ سَكْرانَ، أطافت به حلاوةُ ثغرِكْ!
٥٣
لأرى ما الذي يُتيِّمني فيكَ، وألقاكَ خلف هذا الحجابِ
٥٤
فأنا ظامئٌ إلى كُنْهِ ما فيكَ، وألقاكَ خلف هذا الحجابِ
٥٥
لسْتُ بالمستريح فيكَ إلى الغايةِ لو نِلْتُ من مُنايَ طِلابي
٥٦
ذاك ظنّي، لكنها ضلَّةُ الحبِّتُريني ضحْلَ الهوى كالعُبابِ!
٥٧
فتكشّفْ عما انطويْتَ عليهلأرى في هواكَ نهْجَ الصوابِ
٥٨
فأنا منك في بلاءٍ أُعانيهِولونٍ من المعيشةِ كابى
٥٩
وجهادٍ ضاقت به النفسُ ذَرْعًاوصعابٍ موصولةٍ بِصعابِ
٦٠
أنتَ دانٍ، لكنَّ ما فيكَ ناءٍوسبيلُ الحياة دونَكَ نابي
٦١
أنصيبي من الهوى هذه الوقْدةُ، يشْقَى بها فؤادي اللهيفُ؟
٦٢
أفأنْتَ الجاني عليَّ، وإلاهو فكري الظامي، وحِسِّي العطوفُ؟
٦٣
وهما فيك ثائرانِ عَفيفانِ، كما ثار في القيود الرَّسيفُ
٦٤
طلبا فيه ما أضلاّهُ من حُلْمٍ، وما فيك ظاهرٌ مكشوفُ!
٦٥
وكذا يطلبُ الخيالُ الأمانيوهو عن واقع الحياةِ عزوفُ
٦٦
والهوى كالحياة قد يبلغُ الجازمُ منها، ما لا ينالُ العفيفُ
٦٧
رُبّ نفسٍ نالت مناها على العيْشِ، وأُخرى نصيبها التسويفُ
٦٨
وهي دنيا الشذوذ يرتفع الجاهلُ فيها، ويُستذلَّ الحصيفُ!
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.