١
بَسَطَ الأفقُ لِوا الليلِ البهيمْفوقَ قصر من بقايا الأعصُرِ
٢
ثم لاح البدرُ ما بين الغيومْسابحاً بين النجوم الزُّهَّرِ
٣
برزتْ في روضةِ القصرِ فتاةْتتمشَّى وحدَها وسطَ الظلامْ
٤
وعليها من غَضَارات الحياةْكلُّ ما يطبَع في القلب الغرام
٥
نظر البدر لتلك الوجناتْفتوارى خجلاً خلفَ الغَمام
٦
وهي بين ذَهابٍ وقدومْتجتني في الروض بعض الزهَرِ
٧
كلّما مرّت وقد مرّ النسيمْسجدتْ عفواً غصونُ الشجَرِ
٨
رأتِ البدرً تَوارَى في السماءْعن مُحَيَّاها بظلّ السحُبِ
٩
فتوارتْ لا حياءً إِنَّماقَصَدَتْ تمثيل بعضِ اللَّعبِ
١٠
حين تبدو يختبي أو حينماكان يبدو هُوَ كانتْ تختبي
١١
منظرٌ ترقُبُه زهرُ النجومْوهي سكرى شاخصاتِ البصَرِ
١٢
مجّدي يا أرضُ مولاكِ الكريمْواشكري مبدِعَ هذي الصُّوَرِ
١٣
ليلةً فيها تراءى قمرانْقمرٌ باللُّعْبِ يلهو مَعْ قَمَرْ
١٤
فاستوى ذاك على عرشِ الزمانْوعلى عرش الهوى هذا استقرّ
١٥
وَقَفَا حتّى تلاقى النظرانْنظرٌ يَبْهَرُ بالحسن نَظَرْ
١٦
شخَصاً هذا على ذاك يُديمنظراتِ الناقد المفتكِرِ
١٧
رأت العُجْبَ مع الحسنِ مُقيمورأى اللطف وحسنَ المنظرِ
١٨
أَيْ أمير اللَّيل خفّفْ عَجَبَكْلكَ في الأرضِ شبيهٌ ومثيل
١٩
وَهَب اللُه لهما وهَبكْفكِلاَ وجهيكما باهٍ جميلْ
٢٠
إن تكنْ تعجب في سكنى الفلكْوتباهِي مَنْ على الأرض نَزيلْ
٢١
فلكم جسمٌ على الماء يعومْحين تحت الماء أبهى الدُّرَرِ
٢٢
ما ترى الأقدار تعلو باللئيموتسوم الذلّ ربّ الخطرِ
٢٣
يا دُجى الليل استطِلْ مهما تشاءْواستمِعْ بالله نجوى القمرَينْ
٢٤
قمر الأرض إلى بدر السماءيشتكي مرَّ حياة العاشقَينْ
٢٥
أَنت قالت يا شقيقي في البهاءْلَمْ تَذُق مثلي عذابَ الحالتينْ
٢٦
بين قربٍ ونوىً ليس يدومْغيرُ وجدٍ بالحشا مستترِ
٢٧
نحن أهل الحبّ لا نَلقَى رحومفالهوا مجلبةٌ للكدَرِ
٢٨
نَصَبَ الحبُّ لقلبي شَرَكافهوى قلبي بهذا الشرَكِ
٢٩
ورمى المجدُ لنفسي شَبَكافهوت نفسي بهذا الشبكِ
٣٠
ويحَ قلبي أَيَّ أمرٍ سلكافكلانا في هوانا نشتكي
٣١
والذي في حبّهِ نفسي تَهيمويحه ليس شريفَ العنصُرِ
٣٢
فأبي يشكو ولي أمٌّ تلومْإنّما قلبي يناديني اصبري
٣٣
إن يكن ليس بذي مجدٍ خطيرْفهو في أخلاقِهِ غيرُ دَني
٣٤
أو يكنْ في هذه الدُّنْيَا فقيرْفهو في الآداب والفضل غنى
٣٥
أنا لا يُسعدني المالُ الكثيرإنَّ أخلاقَ الفتى تُسعِدني
٣٦
ونصيبي من أبي قسم عظيمفيه نكفي لطويلِ العُمُرِ
٣٧
وإذا احتجنا الغنى عند اللزومْفيدي في يده للوطَرِ
٣٨
يا أميرَ الليلِ أمي وأبيجعلا موعِدَ إِقناعي غدا
٣٩
وأنا لستُ أرى من سببِموجبٍ قرّب هذا الموعدا
٤٠
فابن عمي قد أتى في طلبيوأنا لا أرتضيه أبدا
٤١
فالغنى والمجد والجاه الفخيمكلُّه ليس بآدابي حَرِي
٤٢
أنا لا أرضى بذي خُلق ذميمدأبُهُ اللهوُ ولُعْبِ المَيسِرِ
٤٣
وأَبي قال إذا لم يُرضنِيإبن عمي فلديه ابنُ صديقْ
٤٤
حَسَنُ البزَّة والوجهِ غنيطيّبُ العنصرِ في المجدِ عريقْ
٤٥
جاء من يومَينِ كي يخطُبنيوهو حتى الآنَ ما كاد يُفيق
٤٦
همُّه ما بين كأسٍ ونديمْوعلَّمَ ابنَ العمّ شربَ المُسكِرِ
٤٧
أوّل الليل إلى بنت الكرومْوإلى البيتِ قبيلَ السَحَرِ
٤٨
كيف يا بدرُ يَطيبُ العيش ليوأنا غايةُ سؤلي الشرفُ
٤٩
لستُ أُنشي مرسحاً في منزليبالملاهي بين قومي يُعرفُ
٥٠
ما تُرى يكتُم لي مستقبليإن يكُ الذُّلُّ فموتي أَشرفُ
٥١
يا أميرَ الليل عَفْواً فأرومْغَفوةً من بعدِ هذا السَهَرِ
٥٢
وغداً إما نعيمٌ أو جحيمْويحَ قلبي فستدري خبري
٥٣
بَرَزت في الصبحِ في القصر الفتاةْوانبرى من حولها طُلاَّبُها
٥٤
فاستقرت فوق عرشِ المُهَجَاتْتاجُها في مجدِها آدابُها
٥٥
وحوالي عرشِها غرُّ الصّفاتهي يا أهلَ الهوى حجَّابها
٥٦
ولها طرف على القوم يحومْمستعيرٌ نظراتِ الجؤذرِ
٥٧
وهْيَ ما بينَ همومٍ وغمومْساوَرتها عرضة للفِكَرِ
٥٨
موقفٌ ليس بسهلٍ لفتاتْلم تَجُزْ في العمر عشرينَ ربيعْ
٥٩
يُقبِل الناسُ عليها عشراتْوهي تُضْطَرُّ إلى رفضِ الجميعْ
٦٠
أَصبحت بالرغم تَعصَى كلماتْوالديها بعد أن كانت تُطيعْ
٦١
وأبوها صابرٌ صبرَ الحكيمْلا يخطّيها سوى بالنظرِ
٦٢
وهنا فازت على الصبرِ الهُمومْفبكت عن خاطرٍ منكسِرِ
٦٣
ورأى والدُها مَدْمَعَهافتوارى مُخفِياً عنها الكمَدْ
٦٤
وهي قامَت تبتغي مَخدَعهاريثَما يرجعِ للقلب الجَلَد
٦٥
هبّتِ الأمُّ وسارت مَعَهاإنما الأمُّ عَزاءٌ للوَلَد
٦٦
وانحنت فوق مُحَيَّاها الوسيمْتمزُج الدرّ به بالجوهرِ
٦٧
ورأت في صدرها الجمرَ الضريمْفَغَدَتْ تُطفِئُه بالعَبِر
٦٨
بين ضَمّ مستمّرٍ والقُبَلْرُسمت في وجنةٍ أو فوق جيدْ
٦٩
خمَدت في صدرها نارُ الوجلْوتلاشى مَدْمَعٌ كان يجودْ
٧٠
فَزَها روضُ محيّاها وحَلّملَكُ الزهرِ على عرش الخدودْ
٧١
وعليها رَسَمَ الحسنُ رُومْتتجلّى في جبين مسفِرِ
٧٢
مَلَك غادر جنات النعيمْوأتانارحمةً للبشرِ
٧٣
ثم قلت أُمُّها من بعدِ حينْيا ابنتي باللهِ ماذا لوّعَكْ
٧٤
أيَّ ذَنبٍ أنتِ عني تكتمينْلوه تُجرين دوماً مدمعَكْ
٧٥
فاكشِفِي من صدرِكِ السرَّ الدفينْفلَعلّي يا ابنتي أبكي مَعَكْ
٧٦
فاعترى البنتَ ارتعاشٌ وهمومْوأسىً عن أمها لم يُستَرِ
٧٧
وأجابت وَلَها دمعٌ سجيمْفوق خدّ بِالبَهَا مزدَهِرِ
٧٨
أنا يا أمّ فتاةٌ ليس ليزَلّةٌ يَنْدَى لها وجهُ فتاةْ
٧٩
وفؤادي إن يكن غير خليفضميري ليس ينسى الواجباتْ
٨٠
أفأجني سبباً للخجلِوأنا بنتٌ لخير الأُمَّهَاتْ
٨١
وأبي علّمني أسمى العلومْوغَذاني بالتقى من صغري
٨٢
طفلةً سرتُ على النهج القويمْوسأبقى هكذا في كِبَري
٨٣
لَسْتُ في سرّي أَخاف العذَلافأنا أهوى فتى غُرَّ الخصالْ
٨٤
حسَنَ الأخلاق يسعى للعُلىشاعر يسبَح في جو الخيالْ
٨٥
يمدح الآداب والفضلَ ولاتستبيه كبرياءٌ وجمالْ
٨٦
تَخِذَ الكونَ له بيتاً فخيمْفيه يحيا بهناءٍ أوفرِ
٨٧
فإذا شئتُ فمن هذي النجومْينظم العِقدَ لجيدي النضِرِ
٨٨
أنا لم أعشَقْ غِناهُ والحسبْوهو لم يُفتن بمالي والبهاءْ
٨٩
فكلانا شرفَ النفس أَحبّوكِلانا في الهوى العذريْ سواءْ
٩٠
شاعر يَحْيَا بقلبٍ من ذهبْآه ما أصفى قلوبَ الشعراء
٩١
فارفقي يا أمّ في قلبي الكليمْوهبيني من حياتي وَطري
٩٢
أو دَعيني في حمى دير أُقيمْلإله الكون أشكو ضَرَرِي
٩٣
ثم عادت فأفاضت دمعتَينزادتا شرح خفايا سرّها
٩٤
ورأتها أمها تَذري اللُّجينتُطفئ الجمر به من صدرها
٩٥
فغدت تلثِمُها في الوجنتينوغدت تلثِمها في نحرها
٩٦
وأقامت تمسَح الدمعَ السَّجوموهي لا تبقي له من أَثَرِ
٩٧
فانظروا ما صنع الربُّ الكليمْبَشَرٌ يمسَحُ وجهَ القمر
٩٨
ثم قالت يا ابنتي لا تجزَعِيفالذي تبغينه سوف يصيرْ
٩٩
أنا أدرى بالفؤاد المولَعِوبأهل الحبّ لي قلبٌ خبير
١٠٠
يا ابنتي اصغي لحديثي واسمعيلم يعُدْ قلبي على الضيم صبورْ
١٠١
فأبوك الشيخ مثلي لا يرومْلكِ إلا صفوَ عيشٍ مزهِرِ
١٠٢
وكلانا اليوم في حزن أليمقد رُمينا بالبلاءِ الأكبَرِ
١٠٣
مطر الدهرُ علينا النّقَمابعد أن كنّا بأنسٍ وصفاءْ
١٠٤
وكسانا البؤسُ ثوباً مُعلَماطرّزته بالشقا أيدي البلاءْ
١٠٥
أمسِ في السوق خسِرنا الأسهُمَاكلَّها واليومَ صِرنا فقراء
١٠٦
وخسرنا يا ابنتي العزَّ القديمْفغدونا عرضةً للخطرِ
١٠٧
وجفانا كلُّ ذي وُدّ حميمفانظري حالتنا واعتبري
١٠٨
يا ابنتي أنتِ لنا خيرُ نصيرْقد وضعنا حِملَنا هذا عليهْ
١٠٩
فخطَبناك لذي مالٍ كثيرلتكوني ملجأ نأوي إليه
١١٠
أشرف الأبناء نفساً وضميريؤاسي في الرزايا والديه
١١١
حرةٌ أنتِ بذا الأمرِ العظيمفاعملي من بعد أن تفتكري
١١٢
واعلمي أنّ الصراطَ المستقيمْلا يُرى إلا بفكرٍ نيّرِ
١١٣
كلماتٌ لم تكن إلا سِهامخَرَقَتْ قلبَ الفتاة الطاهرِ
١١٤
فبكَتْ والدمعُ في العينِ أقامْمثلَ إكليل لوردٍ زاهرِ
١١٥
من رأى من قبلها بدرَ التماميسكُب الدُّرَّ بوجهٍ ناضرِ
١١٦
وغدَا اللؤلؤ في الخدّ نظيمْهامِياً من تحتِ طرفٍ أحمرِ
١١٧
فأجابت ومُحَيّاها الوسيمسوّدته حادثاتُ الغِيَرِ
١١٨
إيه يا أمي خَسِرنا كلَّ شيفاخبرني هل خسِرْنَا الشرفا
١١٩
لعِبَ الدهرُ بنا نشراً وطيبعد أن كان علينا عطَفَا
١٢٠
إن يكن قد فرّ سَعدي من يَدَيْفإله الكونِ حَسْبي وكفى
١٢١
فاصرفي يا أمّ ذا الحزنَ المقيمْوالبسي ثوب لصفا واصبري
١٢٢
أفلم يبق لنا المجدُ سليمفيقيناً صرفَ هذا القدر
١٢٣
دونك الآنَ حُلاي الباهرهْفهي تكفي والدي شرَّ البلاءْ
١٢٤
ودعيني في حيتي الناضرهْليس لي إلاّ الأماني والرجاء
١٢٥
لست أرضى أن أراني تاجرَهبين قومي بجمالي والبهاءْ
١٢٦
أنا في عَهْدي محبي سأقومبالوفا حتى فناء العمرِ
١٢٧
وعظامي في الثرى وهي رميمْتنثني شوقاً له إنْ يُذكَرِ
١٢٨
في مصلّى قريةٍ فوقَ الأكامْبين زهر الحقلِ والعشب الرَّطِبْ
١٢٩
كاهنُ اللهِ بلطفٍ واحترامْمدّ أيديه ونادى في طرب
١٣٠
يا إله الأرضِ كلّلْ بالسلامشاعر الكونِ على بنتِ الأدبْ
١٣١
ثم نادى يا ابنة الفضلِ العميمْفضلُ هذا الوالد الآن اشكري
١٣٢
ربحت أسهمُه القدْرَ الجسيمفانعمي في ظلّ عيشٍ أخضرِ
١٣٣
وانبرى والدُها مبتسماًراسماً في خدّها بعض القُبَلْ
١٣٤
مُظهراً عودَ غناه بعدماأنزل الدهرُ بهِ الخطب الجلَلْ
١٣٥
ثم نادى يا عروسيَّ انعَمالكما الآنَ حَلا شهرُ العَسَلْ
١٣٦
وأقيما حيثُما الحبُّ يُقيمناشراً راي الهنا والظَّفَرِ
١٣٧
لَكُما في روضِهِ الزاهي النعيمْفاجنيا منه لذيذَ الثَمرِ
١٣٨
ثم ساد البِشر والأنسُ ملكْببهاءٍ فوق عرشِ المُهَجَاتْ
١٣٩
ورأى الناظرُ في الأفقِ مَلَكْحاملاً إكليلَ زهرٍ للفتاةْ
١٤٠
وبدا يكتُبُ في وسط الأفُقْبحروفِ النور هذي الكلماتْ
١٤١
كبرياءُ النفسِ والخلق الذميملا يَجنَّانِ بحسنِ المنظرِ
١٤٢
وجمال الوجه والطبع الكريمْلفتاةٍ فتنة للبشرِ
المس أي بيت لتحديده، ثم شاركه كصورة أو انسخه.